عالم الجن في الفقه الإسلامي

مفهوم الجن:

تدور اصطلاحات العلماء لحقيقة الجن ما يمكن إيجازه: أن الجن أجسام نارية وهوائية خفية لها قوة التشكل بأشكال متنوعة.

 

ومما يتصل بالجن: الشياطين: العصيّ الآبي الممتلئ شرًّا ومكرًا، الطاغي، العاتي، المفسد، ومتمرد الشياطين (عفريتًا) وهو: الخبيث المنكر الداهية...

الدكتور أحمد محمود كريمة 

عالم الجن في الفقه الإسلامي

مفهوم الجن:

تدور اصطلاحات العلماء لحقيقة الجن ما يمكن إيجازه: أن الجن أجسام نارية وهوائية خفية لها قوة التشكل بأشكال متنوعة([1]).

ومما يتصل بالجن: الشياطين: العصيّ الآبي الممتلئ شرًّا ومكرًا، الطاغي، العاتي، المفسد، ومتمرد الشياطين (عفريتًا) وهو: الخبيث المنكر الداهية([2]).

وأصل خلقة الجن نار السموم، قال الله U: )وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ( (الحجر: 27).

وكبير الجن: إبليس، قال الله I: )فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ( (الكهف: 50).

وجود الجن:

وجود الجن ثابت بالقرآن الكريم ومنه قول الله تعالى: )قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً( (الجن: 1)، )يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ( (الرحمن: 33)، )وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ( (الأحقاف: 29)، )وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( (الذاريات:  56).

وبالسنة النبوية ومنها قول سيدنا محمد J: (إن عفريتًا من الجن تفلَّت عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سارية المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان: )رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي( "ص: 35"، فأطلقته) [صحيح البخاري].

قدرتهم على التشكل في صور شتى: فمن الأمثلة تصور إبليس في صورة شيخ نجدي لما اجتمع كفار مكة بدار الندوة للتشاور في أمر سيدنا رسول الله J هل يقتلونه، أو يحبسونه، أو يخرجونه([3])، ومجيئه في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أراد الخروج إلى بدر([4]).

ومن خصائصهم أنهم يرون الإنس ولا يراهم الإنس إلا نادرًا، قال الله تعالى: )إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ( (الأعراف: 27).

دخول الجن في بدن الإنسان:

اختلف أهل العلم في ذلك، وأهم الأقوال:

الأول: محال أن يدخل الجن في الإنسان؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع الجواهر في حيِّز واحد على سبيل الحلول، وهو المعتمد والراجح والمفتى به.

الثاني: يجوز، لخبر: (أخرج عدو فإني رسول الله...)([5]).

ويجاب: أن هذا مع كونه خبر آحاد يفيد الظن لا العلم، فمن خصائص النبوة المحمدية لا تتعدى إلى غيره J.

تكليف الجن بالشريعة:

اتفق العلماء على أن الجن مكلفون مخاطبون بالشريعة الإسلامية، لقوله I: )وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( (الذاريات:  56)، )فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ( (الرحمن: 34).

مسكن الجن ومأكلهم ومشربهم:

قرر أهل العلم أن غالب ما يسكن الجن في مواضع المعاصي والنجاسات، كالحمامات، والمزابل، واستدلوا بخبر: (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث...)([6]).

ومن أزوادهم العظام لخبر: أن الجن سألوا رسول الله الزاد، فقال: (كل عظم يذكر عليه اسم الله يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم..)([7]).

مسائل

1- هل الجن ينكح الإنس:

محال لاختلاف الخلقة، وأما من أجاز واستدل بقوله I: )لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ( (الرحمن: 56)، فيجاب أن هذا في الجنة في الآخرة وليس في الدنيا.

2- هل الجن في العموم أقوى من البشر:

تتفاوت المقدرة، وفي أحوال يكون إنسان لصلاحه وعلمه ومعرفته أقوى من الجن، مثل ما حدث مع سيدنا سليمان A في إحضار عبد إنسي صالح عرش حاكمة سبأ في مدة أقل من عرض عفريت من الجن، قال الله U: )قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ( (النمل: 39، 40).

المشهور عند المفسرين أنه: آصف بن برخيا، وهو رجل من صلحاء بني إسرائيل، آتاه الله U من لدنه علمًا، وكان وزيرًا لسليمان A([8]).

وسوسة الجن: قال الله U: )مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ( (الناس: 4)، أي الذي يلقي خفية السوء والفحشاء في صدور الناس ليضلهم عن طريق الهدى والرشاد([9]).

إمراض الجن لبني آدم: الأمراض الحسية والنفسية لبني آدم لها أسباها التي يعرفها الأطباء في تخصصاتهم، وقد كفل الله – تبارك وتعالى – بحفظ الناس من مكائد العتاة من الشياطين والمردة، قال الله U: )لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ( (الرعد: 11).

وجه الدلالة: وضح الله U بعض مظاهر رعايته عباده جعل ملائكة تحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم فإذا جاء قدر الله تعالى خلوا عنه([10]).

وقد أمر الإسلام بالتداوي فقد روي أن رسول الله J عاد رجلاً به جرح، فقال: (ادعوا له طبيب بني فلان)، قال: فدعوه فجاء، فقالوا: يا رسول الله، ويعني الدواء شيئًا؟ فقال: (سبحان الله وهل أنزل الله تعالى من داء في الأرض إلا جعل له شفاء)([11]).

وما روي عن سيدتنا عائشة 1: أن رسول الله J كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات (الأوصاف الشعبية وغيرها من التطبب) وكنت أعالجها، وفي رواية: فيصفون له من عالجه([12]).

تصرفات حسية للجن مع بني آدم:

لم يثبت ولم يرد أن الجن شاركوا في حروب مثلاً فقد كان جن مسلم في عهد سيدنا رسول الله J ولم يمارسوا جهادًا حتى في أحرج المعارك كأحد والأحزاب.

وما يثيره ويروجه مشعوذون ودجالون من اعتناق جن الإسلام على أيديهم، وقيام جن بعمل حرائق، ودلالة على آثار وكنوز وما أشبه فأوهام، وما يترأى لبعض مرضى مصابين بهلاوس سمعية وبصرية واكتئاب وعوارض انفصام لا علاقة لكل ما ذكر بالجن فليست من مهامهم ولا صلاحياتهم، ويجب في هذه الأمور الأخذ بالأسباب تشخيصًا ومعالجة، وعالم الجن غيبي يجب الإمساك عن التقول بغير علم، قال الله U: )وَلاَتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً( (الإسراء: 36).

ويجب الوقوف عند دلالات الشرع، ومدارك العقل، ومجابهة ما يناهض الشرع والعقل.

والله عز وجل ولي التوفيق

 



([1]) آكام المرجان ص6، وحاشية العدوي على الخرشي 1/164.

([2]) الكليات 3/55، 82 – فصل الشين.

([3]) سيرة ابن هشام 1/480.

([4]) المرجع السابق 1/612).

([5]) المستدرك للحاكم 2/617، ودلائل النبوة للبيهقي 6/20.

([6]) سنن أبي داود 1/17، والمستدرك للحاكم 1/187.

([7]) سنن الترمذي 5/382.

([8]) تفسير الألوسي 19/207، والتفسير الوسيط أ.د محمد سيد طنطاوي 18/427.

([9]) التفسير الوسط – مرجع سابق – 15/769.

([10]) تفسير ابن كثير 4/359.

([11]) مسند أحمد 5/37.

([12]) مسند أحمد 6/67.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الإثنين, 16 أيار 2016 13:48
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة والتسعون يوم الجمعة 6 شعبان 1437هـ الموافق 15 مايو 2016م، والليلة الرابعة والتسعون يوم الجمعة 5 رمضان1437هـ الموافق 10 يونيه 2016م.