شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبى العزائم

الحكمة التاسعة والستون

الأيام صحائف الآجال، فخلدوها بأحسن الأعمال.

 

ذكرنا فى شرح حكمة سابقة للإمام تقول: "الأيام خمسة" تفصيلاً لمعنى كلمة اليوم التى جمْعها الأيام، وعرفنا أن اليوم زمن مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها، قال تعالى: )قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ( (الكهف: 19)، وعرفنا أن اليوم هو: الوقت الحاضر، قال تعالى: )اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا( (المائدة: 3)...

الأستاذ سميح قنديل

 

الحكمة التاسعة والستون

الأيام صحائف الآجال، فخلدوها بأحسن الأعمال.

ذكرنا فى شرح حكمة سابقة للإمام تقول: "الأيام خمسة" تفصيلاً لمعنى كلمة اليوم التى جمْعها الأيام، وعرفنا أن اليوم زمن مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها، قال تعالى: )قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ( (الكهف: 19)، وعرفنا أن اليوم هو: الوقت الحاضر، قال تعالى: )اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا( (المائدة: 3)، أما اليوم شرعًا فهو: الوقت الممتد من الفجر إلى غروب الشمس، كما يتم مراعاة ذلك أيام شهر رمضان الكريم، واليوم فى الفلك: مقدار دوران الأرض حول محورها، ومدته أربع وعشرون ساعة، والجمع: أيام، كما يقال: أيام العرب، يعنى: وقائعهم.

ويعرف بعض المفسرون اليوم بأنه نعمُ الله سبحانه، وبها فُسِّر قوله U: )وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ( (إبراهيم: 5)، يعنى: ذكرهم بنعمه، وقد يأتى اليوم بمعنى: وقت وحين، كما قال سبحانه: )وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وَلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا( (مريم: 15)، فإذا قلت: يومًا ما: فهذا يعنى أنه في زمن غير محدد فى المستقبل، وقد جاء اليوم بمعنى: وقت مقدر بمقدار يعلمه الله القائل سبحانه: )وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ( (الحج: 47).

وقد ترددت فى القرآن الكريم الألفاظ الدالة على الزمن والتوقيت، كساعة ويوم وشهر وسنة ومضاعفاتها، وتناولها المفسرون الأوائل بمدلولها الحسى كما هو متداول بيننا حتى اليوم، من أن تلك الألفاظ هى علامات توقيتية، كما هو معلوم لدى الجميع.

لكن قد يراد بكلمة: اليوم، الوقت مطلقًا ولا يختص بالنهار دون الليل، فأصبح اليوم يعم أجزاء الليل والنهار، أي شاملة الجميع دون تحديد، ويبقى السؤال الذى يطرح نفسه: هل الزمن والتوقيت والليل والنهار هو المقصود فقط بلفظة (اليوم)؟ وهل مدلول كلمة "اليوم" ينتهى عند المعنى الزمانى فقط؟.

الحقيقة أن هناك مفهوم آخر لليوم أو الفترة أو المدة، يطلق على الأحداث والوقائع والمراحل التى تمر على الناس فى أدوار حياتهم، وكانت العرب تسمى وقعاتها أيام، فيقولون لنا يوم كذا، ويوم كذا، ذلك لوقوعها (أي الأحداث والوقائع) فيها، حيث يطلق اليوم بطريق المجاز على شدة أو حادثة هامة وقعت فيه، كقولهم يوم أحد ويوم بدر، يوم الغدير، يوم الحج الأكبر، أي أن اليوم عبّر هنا عن حدث أو واقعة وقعت فيه، سواء طال زمانه أم قصر، فأيام العرب وقائعهم، وأيام الله نقمُه ونعمُه على الأمم الماضية، وأيام الإنسان هى المراحل التى مر بها بداية من وجوده فى عالم الأرواح والخلق الأول، وما تلى ذلك من مراحل متعددة، وقد بيَّن الإمام ذلك فى كثير من مؤلفاته.

ويؤكد الإمام 0 فى هذه الحكمة البليغة، أن الأيام قد تمر على الإنسان وتمضى وهو لا يدرى قيمتها وأهميتها، فتضيع من بين يديه هباء منثورًا، بما قد يسجل فيها مما يضره ولا ينفعه، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولذلك يذكِّر الإمام الإنسان أن هذه الأيام هى صحائف الآجال وهى أعمار الخلق، يعنى هى التي يكتب فيها بمعرفة الإنسان ما يفعله فى رحلة أجله على ظهر هذه الأرض، فيجب عليه أن يخلد تلك الصحائف بأحسن الأعمال.

أفضل الأعمال وأحسنها

وعندما يَسأل الإنسان عن أفضل الأعمال وأحسنها بعد الفرائض، يعرف أن ذلك  يختلف باختلاف الناس وما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم, فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد, لكن ما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره، أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما يشغل العبد به نفسه في الجملة, وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: (سبق المفردون), قالوا يا رسول الله: ومن المفردون؟ قال: (الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات)، وفيما رواه أبو داوود عن أبي الدرداء 0 عن النبي J أنه قال: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إعطاء الذهب والورق, ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله, قال: (ذكر الله).

والدلائل القرآنية والإيمانية بصرًا وخبرًا على ذلك كثيرة، وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين J، كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره, وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام, وأدبار الصلوات, والأذكار المقيدة, مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع, ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك, وعند المطر والرعد, إلى غير ذلك, وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل يوم وليلة - ثم ملازمة الذكر مطلقًا, وأفضله لا إله إلا الله.

وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله أفضل منه، ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه, وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله، ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض, أو جلس مجلسًا يتفقه الفقه الذي سماه الله ورسوله:  فقهًا, فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله.

وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد من الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف، وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة, فما ندم من استخار الله تعالى، وليكثر من ذلك ومن الدعاء , فإنه مفتاح كل خير, ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي, وليتحرَّ الأوقات الفاضلة كآخر الليل, وأدبار الصلوات, وعند الأذان, ووقت نزول المطر, ونحو ذلك.

ويؤكد الحق سبحانه فى كتابه الكريم، أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله، وكذلك العمل الصالح والإقرار بالإسلام، وذلك فى قوله سبحانه: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ( (فصلت: 33)، ويقول تبارك وتعالى: )أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواوَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ( (الأحقاف: 16)، ومن أحسن الأعمال أيضا حُسن الخلق، لذلك قال J: (ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم منا مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا ... الحديث) وقال سبحانه: )هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ( (الرحمن: 60).

الأنفاس نفائس

ويجب على الإنسان أن يعلم أن كل نفَس يتنفسه يسجل له فى ديوانه، ويحرر له فى كتابه، وقد قال سبحانه: )وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً * وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(، (الإسراء: 12 – 14) فإذا علم الإنسان أنه سيقرأ كتابه ويحاسب نفسه على الكبيرة والصغيرة، أراد أن يكون أجله الذى سيقضيه فى الدنيا، سببًا فى الخلود بدار النعيم المقيم بجوار رب العالمين، ولا يتأتى ذلك إلا إذا خلد صحائف أجله بأفضل الأعمال وأحسنها، فإن ذلك سيكون سببًا فى خلودها إلى أبد الآبدين.

وحين يعرِّف الإمام أبو العزائم الطريق إلى الله تعالى، يبين أنه: عمارة كل وقت من أوقات السالك بما اقتضاه الوقت من اللازم الشرعي، من عمل قلبي فقط، أو أعمل بدني فقط، أو عمل مزدوج منهما، وبذلك ينتقل على معارج القرب في كل لمحة ونفس؛ لأن الزمن هو المراحل  التي ينتقل منها إلى حضرة الرب سبحانه وتعالى، وإنما العمر هو المسافة التي بين العبد وربه: )إنَّ إلَى رَبَّكَ الرُّجْعَى(.

 فكلما مضى من عمره نفس انتقل مرحلة إلى ربه، وفي كل نفس له كمالات يتجمل بها إذا عمَّر الوقت بواجبه، فإن أهمل خسر الوقت وخسر الربح فيه، وطولب بواجبه؛ لأن تلك الصحف ترسم فيها صور الأعمال محلاة بنور القبول والثناء من الله تعالى، أو بظلمة المعصية والمقت من الله.

وعلينا أن نتذكر تلك الحكمة الجميلة التى سبق شرحها، والتى يقول فيها الإمام 0: الأيام خمسة: يوم مفقود: وهو يومك الذى فاتك مع ما فرطت فيه، ويوم مشهود: وهو يومك الذى أنت فيه فتزود فيه من الطاعات، ويوم مولود: هو غدك لا تدرى هل هو من أيامك أم لا، ويوم موعود: هو آخر أيامك من الدنيا فاجعله نُصب عينيك، ويوم مخلود: هو يوم آخرتك لا انقضاء له، فاهتم له غاية اهتمامك، فإنك إما فى نعيم دائم أو عذاب مخلد.

إنها أيام تمضى وتمر، وصحائف تطوى وتنشر، وأعمال فيها القبول، وأخرى تُرَد بلا قبول، وآجال تبدأ ثم تنقضى، وحياة أخرى فيها الخلود والبقاء، فى معية رب الأرض والسماء، وفى صحبة سيد الأنبياء J، نسأل الله أن نكون من أهل ذلك، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

يقول رضى الله عنه:

حِكَمٌ تَدُقُّ عَلَـــى ٱلنُّهَــىٰ

وَتَغِيبُ عَــنْ أَهْـلِ ٱلْفُهُومْ

وَحَقَائِـــقٌ مَــا ذَاقَهَــا

إِلاَّ فَتًــى رَكِــبَ ٱلنُّـجُومْ

وَمَنَــازِلٌ مَـــا حَلَّــهَا

إِلاَّ ٱلَّـذِي وُهـــِبَ ٱلْعُلُومْ

بِٱلْفَتْحِ يَكْشِفُ حُسْنَهَا وَبِبَحْرِهَا

 

مَــنْ تَــوَّجُوهُ قَـدْ يَعُومْ

Rate this item
(4 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 12:51
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.