معانى وإشارات قرآنية (4)

قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه، يوجِد ذلك بإلهام يلهمه، أحدهما إذا ولد وخرج من بطن أمه كأنما يقول له: عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرًا نظيفًا، واستودعتك عمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، وسر عند خروج روحه يقول: عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء؟، أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟. "أصول الوصول للإمام أبي العزائم"....

فضيلة الشيخ قنديل عبد الهادى

 

 

معاني الاستعاذة وأسرارها

بين نفَس البداية ونفَس النهاية:

بين نفَس البداية الذي يتنفسه العبد أول مولده، ونفَس النهاية الذي يتنفسه العبد لحظة انتقاله؛ بين هذين النفسين تقع حياة العبد.

قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه، يوجِد ذلك بإلهام يلهمه، أحدهما إذا ولد وخرج من بطن أمه كأنما يقول له: عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرًا نظيفًا، واستودعتك عمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، وسر عند خروج روحه يقول: عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء؟، أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟. "أصول الوصول للإمام أبي العزائم".

والعبد لكي ينجو مطالَب بالاستقامة على الصراط المستقيم: عقيدة، وعبادة، ومعاملة، وخُلُقا، لكن الشيطان الرجيم لم يترك الإنسانَ وشأنه، إنما يتعرض له ليقطع ما بينه وبين ربه، ويحاول أن يورده المهالك.

وقد اختار الشيطانُ الصراطَ المستقيمَ بالذات ليصد الناس عنه؛ حيث قال ما أخبر الله به: )لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ( (الأعراف: 16)، أي: لأجتهدنَّ في إغواءِ بني آدم عن طريقك القويم, ولأصدَّنَّهم عن الإسلام الذي فطرتهم عليه.

فالشيطان إذن لا يترصد الناس في دور اللهو، وحانات الخمر، وصالات القِمَار، وأوكار العبث والمجون، ولا يقعد على الخرائب التي وصل حالها إلى ما يريده الشيطان من معصية الله تعالى، فلزم أن يستعيذ العبد بالله تعالى من الشيطان الرجيم، أي: يلجأ إلى الله ويتحصن بالله سبحانه منه، والعبد المؤمن إذا استعاذ بالله تعالى أسرع الله إليه بخفيّ لطفه فأعاذه وأجاره، ومكَّن له في الأرض، وبدله أمنًا بعد الخوف، وهداه صراطه المستقيم.

علاجٌ نبويٌّ لداء الغضب:

استب رجلان عند النبيّ J، فجعل أحدهما يغضب، ويحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي J وقال: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فقام إلى الرجل الذي يسب ويلعن رجلٌ ممن سمعها من النبي J ودنا منه وقال له: أتدري ما قال النبي J آنفًا؟، قال: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فقال الرجل الغاضب: أمجنونًا تراني؟. "تفسير القرطبي للاستعاذة".

أي أن شدة غضبه لم تجعله يستوعب معنى كلام النبي J فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله:

والشيطان من شطن، بمعنى بَعُد عن الخير، وسمي الشيطان شيطانًا لبعده عن الحق وتمرده، وقيل: إن شيطانًا مأخوذ من شاط يشيط بمعنى: هلك، وشاط: إذا احترق، ولذلك يقال: شيَّطت اللحم؛ إذا دخنته ولم تنضجه.

والرجيم أي: المبعد من الخير المهان، والمطرود من رحمة الله، وأصل الرجم: الرمي بالحجارة؛ قال آزر لسيدنا إبراهيم عليه السلام ما أخبر الله به: )لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ( (مريم: 46).      

والاستعاذة أن تقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ولفظها أيضًا: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)، أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني، أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أُمِرتُ به، أو يحثني على فعل ما نُهيتُ عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله.      

الاستعاذة تكون من شياطين الإنس والجن وغيرهم:

والاستعاذة بالله تكون أيضًا من كل ضار مفسد، أو عدوّ قاهر، أو من شياطين الإنس، أو من شياطين الجن الذين يوسوسون في الصدور، قال تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً( (الأنعام: 112)، وكان رسول الله J إذا سافر فأقبل عليه الليل قال: (يا أرضُ ربي وربُّك اللهُ، أعوذ باللهِ من شَرِّك، ومن شَرِّ ما خُلِق فيك، ومن شَرِّ ما يدِبُّ عليك، ومن أسَدٍ وأسْوَدٍ، ومن الحية والعقرب، ومن ساكني البلد، ووالد وما ولد) "يحتمل أن يكون أراد بالوالد: إبليس، وما ولد: الشياطين، قال تعالى: )أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً( (الكهف: 50).

ويوصينا J: (مَن نزَلَ منزلاً ثم قالَ أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ مِن شَرِّ مَا خَلَق، لم يضره شيءٌ حتى يرحل) أي: حتى يغادر ذلك المنزل. 

تطهير العبد من البقايا ليصلح للحضرة العلية:

ومن إشارة لابن عجيبة رضي الله عنه: كما جعل الله لكل نبيٍّ عدوًّا من شياطين الإنس والجن؛ جعل للأولياء كذلك؛ تطهيرًا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته، وفي الحِكَم: "إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنًا إليهم، أراد أن يُزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء".

وفي لطائف المنن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يُسلط الخلقَ عليهم ليطهروا من البقايا، وتكملَ فيهم المزايا، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال J: (مَن أسدى إليكم نعمًا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له)، كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، ويتعلق بالملك الحق. هـ.

وقال الشيخ أبو الحسن 0: آذاني إنسانٌ فضقت به ذرعًا، فرأيتُ يُقال لي: مِن علامة الصديقية كثرةُ أعدائها ثم لا يبالي بهم، وقال بعضهم: الصيحة من العدو سَوطٌ من الله يزجرُ بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. هـ.

وقيل: "عداوة العدو حقًّا: اشتغالك بمحبة الحبيب حقًّا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب".

وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك؛ فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغَلوا بأذى من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. هـ.

الشيطان لا يقوى أن ينال ممن أخلصهم اللهُ له:

والشيطان لا يقوى أن ينال ممن أخلصهم الله له، كما أخبر الله في كتابه الكريم بقوله: )قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهمُ الْمُخْلَصِينَ( (ص: 82 – 83)؛ وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغَواية.

وفي الحِكَم: "إذا علمتَ أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده، فإذا تعلقْتَ بالقوي المتين؛ هرب عنك الشيطان اللعين".        

ومن لم يستعذ بالله فهو عبد مغرور وكله الله إلى نفسه فتخبط في النوائب وتلظى في سعير الهموم، وسلط الله عليه نفسه وماله وعِلْمه وأولاده، فكانوا عذابًا له في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

رباط بين الاستعاذة والتحقق بكمال التوحيد:

وفي إشارة تربوية عالية يربط الإمام أبو العزائم رضي الله عنه بين معنى الاستعاذة وبين التحقق بمعاني كمال توحيد الله تعالى، فالاستعاذة هي حقيقة طهرة النفس من شوب الشرك - أي: الشرك الخفي - وهي كمال التجرد من الحول والقوة والتبرئة من الثقة بغير الله، وبالتحقق بتلك المعاني: كمال التوحيد.

ويعلمنا أن نستعيذ بالله تعالى من النفس وأعوانها حيث يقول في إحدى قصائده:

أعـوذ بـالله مـن نفسي جوارحِها

إليـه ألجــأ قصـدي كُلُّه الوصلُ

وجهتُ وجهي إلى مولاي مضطرًّا

بدِّلْ خطـاياي أو يهوِي بي العدلُ

أشكو إلى الله نـفسـي زكِّها ربي

وطَهِّرَنْهَا من الأوزار قـد تـسلُو

مولاي خوفي من فعل الجوارح قد

أذاب قلبي، وبالغفـران قـد أعلُو

ويطالبنا أن نجاهد أنفسنا في الشيب كما نجاهد في الشباب بقوله:

فِى الشيْبِ جَاهِدْ كَالشَّباِب وَحَافِظَنْ

فَالنَّفْــسُ شَيْـطَانَ يُبيدُ السَّالِكينْ

وَالجَأ إلَى مَوْلاَكَ مُـعْتَصِـمًا بهِ

مُسْتَشْفِعاً بالأنْبيَـا وَالْمُرسَلــينْ

فإذا عجز العبد عن كبح جماح نفسه - وهو بالقطع عاجز عن ذلك إلا إذا استعان بربه -؛ فعليه أن يتوجه إليه سبحانه قائلاً:

مَــوْلاَيَ إنِّــي عَاجِزٌ عَنْ كبحِها

هبْ لِى اعْتِصامًا مِنْكَ بالشَّرْعِ الأِمِينْ

هَبْ لي اتَّباعَ مُحَــمَّدٍ، وَاجْذِب إلَى

رَوْضِ الشُّهُودِ الْعَبْدَ بِـالعَزْمِ المكِينْ

وَاقْبَلْ مَتَابَ اٌلعَبْد وَامْنَحْـني الرَّضَا

وَالفْضَـلَ وَالغُفْرَانَ مِنْ فَضْلِ الْمَتِينْ

محبة أهل البيت تعين على التحصن من الشيطان:

ومما يعين على الاستقامة والتحصن من الشيطان الرجيم محبة أهل البيت النبويّ الطيبين الطاهرين ومودتهم، فالقرطبي في تفسيره للاستعاذة يقول: "روى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: رأيت النبيّ J عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه، قلت: ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: (هَذَا الشيطانُ الرَّجِيم) فقلت: يا عدو الله؛ والله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك، قال: ما هذا جزائي منك، قلت: وما جزاؤك مني يا عدو الله؟ قال: والله ما أَبغضَكَ أحدٌ إلاَّ شَرِكتُ أباه في رَحِمِ أُمِّه". "الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - ج1"

فمحبة أهل البيت من علامة موالاة الرحمن، وبغضهم من علامات موالاة الشيطان.

 

كما أنه لا يخفى أن ترجمة المحبة هي الاتباع لرسول الله J؛ والله تعالى يقول: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (آل عمران: 31).

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 12:42
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.