معاني وإشارات قرآنية (13)

معاني وإشارات قرآنية (13)

islam wattan . نشرت في المدونة 93 لاتعليقات

في القرآن الكريم سُوَر تبدأ بحروف الهجاء المقطعة، منها ما يُبدأ بحرف واحد، ومنها ما هي مُفتَتَحة بحرفين، ومنها ما يُبدأ بثلاثة أحرف، ومِن السور ما يُفتتح بأربعة أحرف، ومنها ما يُفتتح بخمسة أحرف.

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

معاني وإشارات قرآنية (13)

من أسرار الحروف المقطعة في أوائل بعض السُّوَر القرآنية

في القرآن الكريم سُوَر تبدأ بحروف الهجاء المقطعة، منها ما يُبدأ بحرف واحد، ومنها ما هي مُفتَتَحة بحرفين، ومنها ما يُبدأ بثلاثة أحرف، ومِن السور ما يُفتتح بأربعة أحرف، ومنها ما يُفتتح بخمسة أحرف.

وقد سَمَّى بعضُ العلماءِ تلك الحروف الواقعة في أوائل بعض السور القرآنية بالحروف النُّورانية، وعددها أربعة عشر حرفًا، وكَوَّنوا منها عبارة: “نص حكيم له سر قاطع”، أو: “نص حكيم قاطع له سر”، هذه العبارة تمت صياغتها من الحروف التي في أوائل تلك السور القرآنية، واكْتُفِيَ في العبارة بذكر حرف واحد مِن كُلٍّ مِن الحروف المكررة.

وفي صدر تفسير الإمام أبي العزائم 0 لسورة البقرة تطالعنا العبارات التالية – التي تعطي صورة من أدبه وتوقيره لأهل العلم – عند تناوله لشرح قوله تعالى: )الم( (البقرة: 1) فيقول: “معلوم أن العلماء بالتأويل تتفاوت مقاماتهم في العلم، فمنهم الراسخون فيه، ومنهم، ومنهم، ولكل فريق تأويل في هذه الآية الشريفة، وكلهم على حق لأنهم مجتهدون، والآيات الشريفة تحمل كل تلك المعاني، وقول بعضهم: اللهُ أعْلَم بمراده؛ كلمة يقولها كلُّ مؤمن ولو أطلعه اللهُ على مكنون العلم، قال تعالى: )وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ( (البقرة: 255)، فمن شاء اللهُ أن يحيطه بشيء من العلم أحاطه به، وعندي: أن الله تعالى كشف تلك الحقائق لمن شاء ممن اجتباهم فعلَّمهم ما لم يكونوا يعلمون”.

من أقوال العلماء في معانيها:

تنوعت أقوال العلماء 4 في تأويل الحروف التي في أوائل السور، ومن تلك المعاني ما يلي:

ما قاله عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي انفرد اللهُ تعالى بعلمه، ولا يجب أن يُتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت.

وقال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها.

واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال عديدة منها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما والإمام عليّ كرم الله وجهه: أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنَّا لا نعرف تأليفه منها.

وقال قوم: رُوِيَ أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن وقالوا: )لا تسمَعُوا لِهَذَا القُرآن وَالْغَوْا فِيه( (فصلت: 26) نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم؛ فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة.

وعن قتادة في قول الله تعالى: (الم) قال: اسم من أسماء القرآن.

وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبيّ أو وليّ، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس.

هذا مما أورده القرطبي في تفسيره.

وقيل: للحروف سر عند الله تعالى تدخل في نطاق المتشابه، وننتفع بها من غير أن نعرف معناها بسِرِّ قائلها لا بسِرِّ فهمنا لها، كما يستفيد متعاطي الدواء بذلك الدواء من غير أن يلم بتركيبه ونِسَبِه وسر صناعته.

وذكر ابن عجيبة أنه قيل: من أسماء نبيه J: فالميم مختصرة إما من المصطفى، ويدل عليه زيادة الصاد في )المص( (الأعرَاف: 1)، أو من المرسل ويدل عليه زيادة الراء في )المر( (الرعد:1)، و)الر( (الحِجر :1) مختصرة من الرسول، فكأن الحق تعالى يقول: يا أيها المصطفى، أو: يا أيها الرسول )ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ( (البقرة: 2)، أو: هذا )كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ( (الأعراف: 2) أو غير ذلك.

ويدل على هذا توجيه الخطاب إليه J بعد هذه الرموز:

)المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ( (الأعراف: 1 – 2).

)المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ( (الرعد: 1).

)الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ( (الحجر: 1).

من كلام أهل الإشارة:

وعند أهل الإشارة كأنما يقول الحق جلّ جلاله:

ألف: أفْرِدْ سِرَّك إِليَّ، انفراد الألف عن سائر الحروف. – الألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط، وسائر الحروف يتصل بها إلا أحرف يسيرة، فلينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع -.

واللام: لَيِّنْ جوارحك لعبادتي.

والميم: أقم معي بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفاء الأنس والقرب مني.

وعند القشيري:

(الم) الألف تدل على اسم “الله”، واللام تدل على اسم (جبريل)، والميم تدل على اسم “محمد” J، فهذا الكتاب نزل من الله؛ على لسان جبريل؛ إلى محمد J.

ويقال:

طالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف: بانفراد القلب إلى الله تعالى.

وعند مخاطبته باللام: بلين جانبه في مراعاة حقه.

وعند سماع الميم: بموافقة أمره فيما يكلفه.

من التأويل عند الإمام أبي العزائم:

ومن التأويل ما ذكره الإمام أبو العزائم في قوله تعالى (الـم) في صدر سورة البقرة ما يلي:

الألف إشارة إلى لفظة: “أنا”، واللام إلى: “الله”، والميم إلى كلمة: “أعلم”، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا الله أعلم، أو: أنا الله الملك، ويكون قَسَمًا كأنه سبحانه وتعالى يقول: أقسم بي أنا الله الملك، وما بعده جواب للقسم.

هي آية متشابهة تقول للعقل: أنت عاجز لا تقوى على تحصيل العلم بمراده سبحانه إلا إذا وفقك للتقوى؛ وعلَّمك ما لم تكن تعلم.

وهي إشارة إلى سجود العقل عجزًا عن إدراك كلمة عربية مركبة من حروف الهجاء، وليس في ذلك التكليف ما لا يطاق، إنما فيه الحث على التمسك بتقوى الله تعالى، والمضنون به من العلم لا يُنال إلا بفادح المجاهدة، وكيف لا والله تعالى يقول: )وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا( (النحل: 78).

وعلى تلك الإِشارة: (الم) و(المص) و(الر) و(حم) وغيرها أسماء الله تعالى، أو: هي الاسم الأعظم، قال الإمام عليٌّ A يوم حرب الخوارج (حم عسق) “الشورى:1-2” ودعا الله تعالى بالحديث الشريف (أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ مِن شَرِّ مَا خَلَق)، وهذا الحديث يشير إلى أن كلمات الله التامات هي هذه الآيات الموضوعة في أوائل بعض السور، ولا يُستعاذ إلا بأسماء الله تعالى، فهي أسماء الله.

ومن التأويل أن تلك الآيات أعمار لقوم: فالأَلِف لسنة واحدة، واللام لثلاثين، والميم لأربعين.

ومن التأويل أن كل حرف منها دل على معان كثيرة عَلِمَها مَن عَلِمَها بفضل من الله تعالى.

وتلك الأسرار العلية يعلمها أهل التقوى بطريق الإلهام إذا تطهروا بالتوبة حتى يحبهم الله تعالى لخضوعهم لسلطان الشريعة، ومجاهدتهم لأنفسهم مجاهدة تجعلهم مجانسين لعالم الطهر والصفاء عمار ملكوت الله الأعلى، فتنفتح لهم أبواب السماء للسياحة فيها، ليروا من آيات الله الكبرى ما تطمئن به قلوبهم، وتلوح لهم غرائب الحكمة، وأسرار بدائع إبداع الله تعالى، وهم الصِّدِّيقون والشهداء.

ومَن قصرت بهم هممهم عن التشبه بأهل المجاهدة فالأوْلَى أن لا يجمعوا على أنفسهم بين الحرمان من الخير والإنكار على أهله، فإن الذين راضوا عقولهم بعلوم الرياضة اخترعوا من الصناعات والفنون ما به طاروا في الجو، وغاصوا في البحار، بل اخترعوا من أنواع الصناعات ما حير العقول واستعبد العباد ودمر البلاد، فكيف بمن جاهد نفسه حتى زكت فجانست العالم الأعلى وشهدت ما هنالك من بهاء وضياء ونور وجلال؟!.

منحنا الله التسليم لله تعالى ولرسوله J والأدب مع القرآن المجيد.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.