متى ظهرت صورة الأخوة غيرت وجه التاريخ

متى ظهرت صورة الأخوة غيرت وجه التاريخ

islam wattan . نشرت في المدونة 228 لاتعليقات

متى اجتمعت الأخوة على الصفا والوفا، أشرقت فى لطائف أرواحهم نور شمس الحبيب المصطفى J، وهذا سر من الأسرار، لو عرفه الناس لاقتتلوا عليه بالسيوف، ولو اكتشفه الملوك لتركوا عروشهم وعكفوا على الإخوة، وهذا السر هو ظهور التنزيه الإلهى فى مقام التشبيه الإيمانى النورانى الربانى.

الدكتور عبدالحليم العزمي

متى ظهرت صورة الأخوة غيرت وجه التاريخ

متى اجتمعت الأخوة على الصفا والوفا، أشرقت فى لطائف أرواحهم نور شمس الحبيب المصطفى J، وهذا سر من الأسرار، لو عرفه الناس لاقتتلوا عليه بالسيوف، ولو اكتشفه الملوك لتركوا عروشهم وعكفوا على الإخوة، وهذا السر هو ظهور التنزيه الإلهى فى مقام التشبيه الإيمانى النورانى الربانى.

فإن شئت أيها الأخ المؤمن أن تكاشف به، فالق إلىَّ بقلبك وسمع روحك:

إن الله منزه لا يحويه زمان ولا يسعه مكان )وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً( (طه: 98)، لا يستطيع أحد أن يجالسه، ولا أن يدركه ولا أن يحسه، ولا أن يمسه، ولكنه خلق له أحبابًا صاغهم من جمال قدسه، وبهاء نوره، وصوَّرهم فأحسن صورهم، وخلقهم فأحسن خَلقهم وخُلقهم، فتبارك الله أحسن الخالقين.

جمع لطائف النور، ورقائق الملكوت، وصفاء الملك، ومعانى القدس، وضياء عالم الأمر الروحانى، سر قوله تعالى: )فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا( (التحريم: 12). وصوَّرها صورة تليق بقدرته، وتعلن عن علىّ عظمته، وتشهد بإبداعه ووحدانيته، لتكون سلوة وأنسًا لأهل الوصول، وجعل من تلك الصورة صورًا، ومن هذا السراج سُرجًا، وفى تلك المرائى مشارقاً تشرق فيها شموس عزته، وأقمار رحمته، وكواكب هدايته، ومظاهر خلافته، فمن أتى تلك الصور وجد الله، ومن استضاء بتلك السرج اهتدى فى الوصول إلى الله، ومن نظر فى تلك المشارق شاهد جمال الله، ومن تقرب منها فقد تقرب من الله، ومن أقرضها فقد أقرض الله، قال تعالى: )مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً( (البقرة: 245)، وهل الله يطلب قرضًا من عباده؟، تنزه فى علاه. كما قال تعالى: )وَيَأَخُذُ الصَّدَقَاتِ( (التوبة: 104). وهل هو فقير ويأخذ من عباده زكاة أو صدقة أو نفقة، وهو الذى  خلقهم ورزقهم، كل هذا تشبيه وتنزيه فى مقام الأخوة، وكأن الله تعالى يقول:

إن صورة الأخوة هى القائمة فى الحياة الدنيا مقامى، فمن وصلها وصلنى، ومن قطعها قطعنى، ومن أقرضها أقرضنى، ومن قدَّم الصدقة لها فقد قدَّمها لى، ومن أحبها أحبنى، ومن جالسها جالسنى، ومن آنسها آنسنى، ومن أكرمها أكرمنى، ومن زارها زارنى، ومن خدمها خدمنى، ومن نظر إليها فقد شاهدنى، ومن عرفها عرفنى، ومن عشقها عشقنى، ومن بايعها بايعنى، ومن ودَّها ودَّنى.

وصورة الأخوة هى القائمة فى الأرض مقام حبيبى محمد J، المبلغة لرسالته، والقائمة على شريعته، والعاملة بطريقته، والكاشفة لجماله وحقيقته.. هم الشهداء عندى يوم القيامة، سر قولي: )لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً( (البقرة: 143). هم خلفائى فى أرضى، ونواب عزتى فى نزاهتى وقداستى: )وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ( (الأنعام: 165).

رحم الله عباده بصورة الأخوة، فأظهر فيها رحمته، سر قوله تعالى: )رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ( (الفتح: 29). ظهر فيها بالآيات، وظهر فيها بالتجليات، وظهر فيها بالنصر والتأييد: )هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِه وَبِالْمُؤْمِنِينَ( (الأنفال: 62)، فهم خلفاؤه وأولياؤه وأنصاره )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ( (الصف: 14).

صورة الأخوة: هى جمال الصفا والاصطفا، وهى ليل العاشقين من المحبين، وهى عين المغرمين المشتاقين، وقد تغنى بها إمام المجددين وسيد الوارثين السيد محمد ماضى أبو العزائم 0 فقال:

أَهْـلُ الْمَحَبَّةِ فِي شَوْقٍ إِلَى الْعَيْنِ

وَﭐلْعَيْنُ فِي غَيْهَبِ ﭐلتَّنْزِيهِ وَﭐللَّوْنِ

وَاللَّـوْنُ سِـرُّ تَـجَلِّيهَا لِطَالِبِهَا

يَمْحُو سِوَاهَا بِلاَ كَـوْنٍ وَلاَ أَيْنِ

وَالْعَيْنُ وَاحِدَةٌ وَاللَّـوْنُ أَظْهَرَهَا

وَاللَّيْلُ سِتْرٌ وَلَٰكِنْ حَجْبَةُ الـزَّيْنِ

مَا اللَّيْلُ إِلاَّ سِتَارٌ يَحْجُبُ الْمَعْنَىٰ

يَا عَيْنُ يَا لَيْلُ هَيَّـا وَفِّيَا دَيْنِـي

زَيْنُ الْجَمَالِ تَجَلِّي الْعَيْنِ ظَاهِرَةً

لِلْعَاشِقِينَ بِـلاَ ظِـلٍّ وَلاَ شَيْـنِ

يَا عَـيْنُ يَا لَيْلُ قَلْبِي وَالِهٌ رُوحِي

قَدْ شَاهَدَتْ فِيكَ أَسْرَارًا مِنَ الْحُسْنِ

يَا عَيْـنُ يَالَيْلُ مَالِي قَدْ أَبُوحُ بِمَا

لَمْ يَسْتَطِعْهُ فَتًى فِي حَيْطَةِ الْكَوْنِ([i])

فأسبل الإمام الستار على جمال ظهر فى أهل الصفا الأخيار، وخفى عن الواقفين فى كون الآثار.

الأخوة سر الرسالات

إذا تدبرت وجدت جميع الأنبياء والمرسلين للأخوة جامعين، ولجمال الصفا الإيمانى خادمين.. ظهر نور الصفا فى سيدنا آدم A فرأته الملائكة فسجدت، وحجب عن النفس الإبليسية فأبت واستكبرت.

ظهر هذا النور فى سيدنا نوح A، فتحمل من قومه الأذى ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهو آنس بهذا الجمال، ولما غضب ودعا ربه اهتزت الأرض والسموات، وأغرق الله لغضبه أهل البعد، وسار نوح على الماء يصحبه نور السلام وأسرار البركات، وترك زوجته وابنه فى المغرقين، وصار خادمًا لصورة الأخوة فى مرائى المؤمنين )وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ( (هود: 40).

وجاء من بعده هود وشعيب وصالح من المرسلين، وكلهم للأخوة جامعين.

وهذا الخليل A رأى صورة الإيمان، فباع من أجلها أهله وقومه، وصار لصورة الأخوة خادمًا، يأنس بالملام والجحود والإنكار، ولم يزل كذلك حتى ضحى بنفسه فى سعير النار، فأطفأت نار حبه نار عدوه اللعين، وصارت النار عليه بردًا وسلامًا، وآتاه الله فضلاً عظيمًا، كل هذا من تحمل الأذى لأجل صورة الإيمان فى لوط A، قال تعالى: )فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي( (العنكبوت: 26).

وهذا سيدنا يوسف A حين لاح من جبينه نور صورة الإيمان، عكف على حبه يعقوب A، حتى أكلت الغيرة قلوب أبنائه، وهو سكران فى المحبة والغرام، وليس هذا عشق بنوة، ولكنه عشق إيمان ونبوة، ولما سطعت أنوار تلك الصورة قهرت امرأة العزيز على الخيانة، وقطعت النساء أيديهن وهن لا يشعرن.

وهذا سيدنا موسى الكليم A حين رأى أنوارها، وسمع من شجرة الإيمان حديثها- لا شجرة ذات الرحمن- وحين طلب الرؤية ليكون من الناظرين، صعق من جمالها وقال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، ولم يقل موسى لربه كن معى وناصرى، ولكنه طلب صورة الأخوة فقال: )وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي( (طه: 29-30)، وبعد أن خذل بنو إسرائيل موسى وقالوا: )فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا( (المائدة: 24). اكتفى بفضل الله عليه بالأخوة فقال: )قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي( (المائدة: 25).

وهذا سيدنا عيسى بن مريم A حين رأى صورة جمال الإيمان، وأنها مشرقة فى صفاء الإخوان، صار سوَّاحًا على شواطئ البحار، وهائمًا فى البرارى والفيافى ليجمع صورة الأنصار، وصار بتلك الصورة يحيى ويميت، ويبرئ الأكمة والأبرص بإذن الله، ولما عجب منه المعاصرون، وتحير من أعماله المشاهدون، كشف لهم عن تلك الصورة بقوله الذى يؤثر عنه: (من آمن كإيمانى يعمل كأعمالى وأكثر)([ii]).

وهذا سيدنا ومولانا محمد J خاتم النبيين، وكوثر صور المؤمنين، الذى هو المؤمن الأول؛ لأنه سراج المؤمنين، وقبضة نور الإيمان من رب العالمين، قال تعالى:)آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ( (البقرة: 285)، فالرسول J بحر تلك اللآلئ، وهو أصل صورة الإيمان، فاز من تشبه به واتبعه، وكان له فيه أسوة.

اعتنى المصطفى J بتلك الصورة عناية كبيرة، وتحمل فى شأنها من قومه أذى كثير، وهذا من الغرائب والعجائب، ولكنه لأهل المعرفة والشهود نور على نور، خيروه بالملك والرياسة والمال والنساء ليرجع عن أمره، فقال لعمه أبى طالب قوله المشهور: (والله يا عم لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)([iii]).. ما هذا الأمر الذى باع فيه النبى J نفسه، واستعد دونه للهلاك، ولم يقبل فيه ملك ولا رياسة ولا مال، وباع فى سبيله كل غال ونفيس؟!.

الجواب: هو ظهور صورة المؤمنين، قال تعالى: )فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ( (الصف: 14).. صورة هذا شأنها، وهذا مقامها، وهذا قدرها، وهذه عناية الله بها.. يليق منا بعد ذلك أيها المؤمنون أن نعرض عنها، وأن نشوِّه جمالها، وأن نبيعها بمتاع قليل، بعد أن اشتراها سيد المرسلين، وسلفنا من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين وتابعى التابعين، اشتروها بأنفسهم وأموالهم وأهليهم وأوطانهم ومساكنهم، ونحن نبيعها بكلمة، أو شهوة، أو حب رياسة، أو لقمة، أو وشاية، أو حب لزوجة لئيمة وهى فى الحقيقة ليس لها فى جانب الأخوة من قيمة، أو حب لأولاد وهم لنا عين الفساد، أو رغبة فى وظيفة دنيوية أو أخروية.

الأخوة فوق جميع الموجودات الملكية والملكوتية، يقول مولانا الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم 0:

أَنَا لاَ أَخُــونُ وِدَادَ مَنْ آخَانـِى

وَلاَ أَنْقُضُ عَهْــدَ الَّـذِى وَافَانِى

وَلاَ أَرْضَى بِالْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ فِـى

أَخٍ فِى اللهِ حَاشَا بَلْ وَلا الرِّضْوَانِ

الْمَــرْءُ بِالإِخْوَانِ لاَ بِجُــدُودِهِ

كَثِيرٌ نَّعَمْ، وَالذُّلُّ فِـى النُّقْصَانِ([iv])

فمتى باشر حب الأخوة فؤاد إنسان، ووصل إلى سويداء قلبه، لاحت منه أنوار الوراثة والخلافة، وتبدلت فى الحال أحواله، وتغيرت أعماله، وكسى الله بالأنوار أقواله، وتراه فى قومه وعشيرته، كالرسول فى قومه، أو كالنبى فى أمته.. والأخوة فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

الأخوة لا تُباع بعطاء أو بلاء

لابد فى نوال صورة الأخوة من الفتن والبلاء، والأذية والضراء )أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ( (العنكبوت: 2-3). وقال سبحانه: )وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً( (الفرقان: 20). وقال جل جلاله: )لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور(ِ (آل عمران: 186).

وعلى هذا فالأخوة ليست سهلة المنال، وكيف لا وفيها صعائب الامتحان، سر قوله تعالى: ) أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ( (المائدة: 54)، وفتنها لا تعد ولا تحصى، ولا يعرف ذلك إلا من باشر دروسها، وعالج نفوسها، وشاهد تقلبات أحوالها: فترى هذا يحقرك، وهذا يؤنبك، وآخر يسخر منك، وغيره يهزأ بك ويسفِّه رأيك. وهذا يقدمك وآخر يؤخرك. وهذا يعظمك ويخدمك، وهذا يسبُّك ويشتمك. وهذا يرفعك وهذا يخفضك. وهذا يبذل لك ماله ونفسه، وهذا يسلب منك المال ويكلفك. ومنهم من يؤلفك ويعرفك، ومنهم من ينفرك ويكفرك. وترى منهم من يحبك ويودك، ومنهم من يبغضك ولا يتصورك، ويجفوك ويقطعك. ومنهم من يواسيك ويعينك ويسرك ويؤنسك، ومنهم من يغمك ويغضبك ويغيظك. ومنهم من يشرح صدرك عند اللقاء ويحترمك، ومنهم من يعرض عنك ويكيد لك ويتمنى خروجك من الجماعة، ويحسدك على نعمة الله عليك، وينازعك فى عطية صورة الإيمان إليك. ومنهم من تراه خير رفيق وأحسن صديق، ومنهم من تراه أشر منافق وأخبث زنديق، إذا رآك مدح وانشرح، وإذا تواريت عنه لمز وهمز وقدح. ومنهم من لا يرى لك من عيب، ومنهم من يرى جميع أقوالك وأعمالك إثم وعدوان. ومنهم من إذا رأى لك خيرًا أو فضلاً يغبطك، ومنهم من إذا رأى لك أية نعمة يحقدك ويحسدك ويتمنى زوال نعمتك، ويفرح بنقمتك ومصيبتك!!.

وأفضل الإخوان: من يُسر بإكرامك وعطيتك ويطلب لك من الله المزيد، وهو الذى يدلك على الله بأقواله، وينشطك فى عبادة الله بأعماله، ويعلى همتك بأحواله، ويفتح لك أبواب الخيرات، ويعلمك أسرار الآيات، ويشهدك أنوار التجليات، ويزكى نفسك بالعلم الربانى، ويحليك بأسرار المعانى، ويؤدبك بآداب القرآن، ويخلِّقك بأخلاق المصطفى J.. وهذا هو الأخ الذى لا ينتظر على ذلك جزاء ولا شكورًا، فيكون عند ذلك بدلاً للإمام، وسراجًا من سرج المصطفى J، ويكون هو المعنى بقول النبى J: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)([v]).

فعليك أخى المؤمن أن تختار لك أخًا هذه صفاته، ليكون معيناً لك إذا ذكرت ربك، ومذكراً لك إذا غفلت عن طاعة الله تعالى، ولابد لك أن تصطفى لك من الإخوان دليلاً، وتختار منهم خليلاً، مع عدم احتقار أحد منهم، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ( (الحجرات: 11).

ولهذا قال المأمون: الإخوان ثلاثة أنواع:

– فإخوان كالغذاء لا يستغنى عنهم أبداً، وهم إخوان الصفاء.

– وإخوان كالدواء يحتاج إليهم فى بعض الأوقات، وهم الفقهاء.

– وإخوان كالداء لا يحتاج إليهم أبدًا، وهم أهل الملق والنفاق لا خير فيهم([vi]).

الدين يدور حول صورة الأخوة

كل آية من القرآن تشير إلى الأخوة، وترمز إلى ناحية من نواحى الأخوة، فآيات البشائر: تشير إلى تأليف النفوس وجمع الوحدة، حتى تتم وتكمل صورة الأخوة.

وآيات الإنذار: إرهاب لتجمع الأخ الشارد المفارق للجماعة وترده إليها.

وآيات التكليف: أمر من الله تعالى للأخ المؤمن ليقوم بواجبه بين الجماعة التى تمثل صورة جسم الأخوة.

وآيات التعنيف: قسوة وتلويح للعقاب لتخوف الأخ المؤمن ليرجع عن معصيته وتقصيره فى واجبه حتى يصلح عضوًا فى جسد الأخوة.

وآيات التعريف: للتربية أو التخلية أو التحلية أو التزكية، حتى يجمل الأخ بجمال المعارف فيكون معلمًا لغيره من أفراد الأخوة المبتدئين والراغبين المريدين الاندماج فى سلك الأخوة.

وآيات الأحكام الحافظة للحقوق: قانون عدل بين أفراد الأخوة، حتى لا يبغى بعضهم على بعض، حفظًا لصورة الأخوة من الظلم والتفرقة والتشويه والاعتداء، ليدوم الاتحاد والصفاء بين الأخوة.

وآيات القصاص أو الحدود: تطهير من نجاسة المعاصى حتى لا تنجس جسد الأخوة.

وآيات القتل أو القطع أو التغريب: لفصل عضو فسد من جسد الأخوة، خوف أن يهلك أو يفسد باقى الأعضاء لتسلم صورة الأخوة من الهلاك والفساد.

وآيات التوحيد أو الشهود: رقى ورفعة لأهل الدرجات العلا حتى يرفعوا معهم من يحب الرفعة من المؤمنين إلى درجات المقربين، لترقى صورة الأخوة إلى مقام الأولياء والشهداء والصالحين، وينالوا حلل الخلافة عن رب العالمين، ويتوجوا بتاج الوراثة عن سيد الأولين والآخرين. فالقرآن من أوله إلى آخره هدية من الله لصورة الأخوة، والمؤمنون هم أعضاء صورة الأخوة قال تعالى: )إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً( (آل عمران: 103)، وكأن نعمة الله علينا ببعثة المصطفى J محصورة فى صورة الأخوة، ونعمة القرآن مجموعة فى إصلاح صورة الأخوة، ونعمة العلماء والأولياء والمصلحين من الحكماء والشهداء لحفظ صورة الأخوة، وكل الصور الموجودة فى الملك والملكوت ما وجدت إلا لأجل تلك الصورة؛ لأن الدنيا وما فيها خلقها الله مدرسة لصورة الأخوة لتتربى فيها وتتعلم وتتهذب وتتأدب، سر قول المصطفى J: (أدبنى ربى فأحسن تأديبى)([vii]) فصار لصورة الأخوة معلمًا ومؤدبًا.

وصورة الأخوة سيكون لها الملك الكبير الدائم، والمقامات العلية، والوظائف الأخروية قال تعالى: )وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ( (الحجر: 47).

كلمة أخيرة

صورة الأخوة هى مقصد الله تعالى من البدء الأول والسابقية الأولى سر قوله: )إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ( (الأنبياء: 101)، وهى مقصد الله من وجود الدنيا بدليل: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ( (آل عمران: 190)، وهى مراد الله فى الآخرة بدليل قوله: )أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ( (الأعراف: 42).

إذا تقرر ذلك علمنا أن من خسر مقام الأخوة فى الدنيا فقد خسر حياته، وخسر دنياه، وخسر نبيه، وخسر دينه، وخسر آخرته )ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ( (الحج: 11)، (الزمر: 15).

إن الذين لم يجتمعوا على تلك الصورة، وتفرقوا وفرقوا دينهم، وتمزقوا شيعاً، أولئك مأواهم النار، قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ( (الأنعام: 159).

وأما الذين اجتمعوا على صورة الأخوة، واتحدوا فى الدين، وكانوا جسدًا واحدًا، فأولئك هم الأعلون والله معهم، كما أثبت ذلك القرآن والأحاديث بأجلى بيان، فالإمام المجدد صورة الأخوة فى كل زمان وهو رأسها، والأخوة أعضاؤها، فمنهم من يمثل السمع، ومنهم من يمثل البصر، أو الشم، أو الذوق، أو اللسان، أو اليدين. ومنهم من يمثل العقل، ومنم من يمثل العلم أو الحكمة. ومنهم من يمثل النفس، أو القلب، أو الفؤاد، أو السر، أو النفحة القدسية، قال J: (أبو بكر وعمر منى بمنزلة السمع والبصر، وعلىٌّ منى بمنزلة الرأس من الجسد)([viii]). وبذلك تكون الأخوة صورة رحمانية، وتكون الجماعة تمثل المعية المحمدية، قال الإمام أبو العزائم 0:

أَيَا أَيُّهَا الأَعْـضَاءُ يَا رَمْـزَ هَيْكَلِي

بِأَرْوَاحِكُـمْ فَاصْـغَوْا إِلَى الأَنْبَـاءِ

أَنَا صُـورَةُ الْخَتْـمِ الَّذِي لاَحَ بَيْنَكُمْ

وَهَٰذَا مَقَامُ الْخَتْمِ فِي (الْهَاءِ) و(الرَّاءِ)

أَفِيقُـوا فَلَيْـسَ الرَّسْـمُ إِلاَّ مِـثَالُهُ

وَلاَ مِـثْلَ لِلْخَـتْمِ الْعَـلِيِّ بِإِسْرَاءِ([ix])

وها هو إمام آل العزائم القائم، قد وضع صورتها الأصلية، وقواعدها الكلية، ووصف شمائلها الأولية، ومثَّل جمالها وكمالها فى جميع المؤلفات، وفى صدور دعاته المخلصين، وأفراده المحبوبين، وأولاده البارين، وخلفائه القائمين، ونوابه الموفين الصادقين، وأبداله العارفين المرشدين، وأحبابه المرادين، وإنى بصحبتى له قد تحققت أن صورة الأخوة الأولية ستعود فى دائرة آل العزائم ظاهرة، بعد أن رأيتها قائمة.. وإنى على يقين أن ذلك الأمر سيظهر فى القريب، وليس ذلك على الله بعزيز، قال تعالى: )كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ( (الأنبياء: 104). )وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (الحشر: 6).

ومتى ظهرت صورة الأخوة على ظهر الأرض، لا بد أن تغير وجه التاريخ تغيرًا محسوسًا ومعنويًّا، بتبديل دول بدول، وأمم بأمم.

نسأل الله أن يظهر نور الأخوة، ويبدل دول الكفر بدول الإسلام، وأمم الظلم بأمم أهل العدل والإيمان،. إنه مجيب الدعاء رب العالمين.

كما أسأله سبحانه أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربانى، الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

([i]) ديوان ضياء القلوب للإمام أبي العزائم، ج10، قصيدة: 9741

([ii]) أسرار القرآن للإمام أبي العزائم، ج4.

([iii]) سيرة ابن هشام 1/284.

([iv]) السيرة النبوية للإمام أبي العزائم 1/542.

([v]) مسند الإمام أحمد 8/307 ح8398.

([vi]) بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر، 1/151.

([vii]) كشف الخفاء للسخاوي 1/70.

([viii]) تحفة الأحوذي في شرح الترمذي للمباركفوري 6/107 ح3671.

([ix]) ديوان ضياء القلوب للإمام أبي العزائم، ج9، قصيدة: 8188.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.