لماذا الطريقة العزمية؟.. التصوف ومعاملة القلوب (1)

لماذا الطريقة العزمية؟.. التصوف ومعاملة القلوب (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 203 لاتعليقات

بعد أن عرضنا بعض الجوانب عن التصوف؛ مِن نشأة ومنهج وسلوك واحتياج المسلم إلى عالم ربانيّ وخبير قرآنيّ يسلك به الطريق القويم بدستور محكم يصلح به السلوك إلى ملك الملوك سبحانه؛ وتحدثنا عن صفات هذا العالم الوليّ المرشد وآداب صحبته؛ وعرفنا مَن هو السالك والمريد في طـريق الله تعـالى.

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

بعد أن عرضنا بعض الجوانب عن التصوف؛ مِن نشأة ومنهج وسلوك واحتياج المسلم إلى عالم ربانيّ وخبير قرآنيّ يسلك به الطريق القويم بدستور محكم يصلح به السلوك إلى ملك الملوك سبحانه؛ وتحدثنا عن صفات هذا العالم الوليّ المرشد وآداب صحبته؛ وعرفنا مَن هو السالك والمريد في طـريق الله تعـالى.

وصف القلب:

القلب هو الحقيقة الإنسانية الباطنة، ظاهره الفؤاد، والسويداء باطنه، فالفؤاد هو البرزخ الذي بين القلب والجوارح، وكل ما يرد على القلب من الغيب يوصله إلى الفؤاد، والفؤاد يوصله إلى الجوارح، وما يرد على الفؤاد من الجوارح يوصله الفؤاد إلى القلب، فالقلوب أوعية، فإذا امتـلأت مـن الحـق فاضت زيادة أنوارها على الجوارح، أو من الباطل ظهرت زيادة ظلماتها على الجوارح.

من أصناف القلوب:

وقد ذكر المولى سبحانه أصناف القلوب في القرآن الكريم، فمنها:

القلب المنيب: كما قال سبحانه: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ “ق: 33” أي: تائب مُخلص مُقبل على طاعة الله.

والقلب السليم: كما قال سبحانه: ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ “الشعراء: 89” أي: بريء من مرض النفاق والكفر.

والقلوب الغلف: كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ “البقرة: 88” أي: عليها أغطية تسترها عن العلم والتمييز، ولما كانت نفوسهم عنادية ناسب أن نفهم هذه الكلمة أن قلوبهم غلف يعنى ظروفًا للعلم لا تحتاج إلى علم آخر فهم في غنى بما علموه عن قبول الهداية من الله تعالى ومن رسوله J، وبهذا الفهم ثبت عنادهم وكفرهم، وجائز أن تكون المعنى أن قلوبهم موانع عن قبول الهداية كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ “فصلت:5″، ويكون المعنى أن الله تعالى خلق نفوسهم من سجين، ولم يمنحهم القابل الذي يقبلون به الهداية من رسول الله J.

والقلوب المنكرة: كما قال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ “النحل: 22″، أي: قلوبهم جاحدة وحدانيته سبحانه; لعدم خوفهم من عقابه, فهم متكبرون عن قبول الحق وعبادة الله وحده.

والقلب اللاهي: كما قال سبحانه: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ “الأنبياء: 3″، أي: قلوبهم غافلة عن القرآن الكريم, مشغولة بأباطيل الدنيا وشهواتها, لا يعقلون ما فيه.

حقيقة الإثم تنسب إلى القلب ونور الإيمان ينبع منه:

وبيَّن سبحانه وتعالى أن حقيقة الإثم إنما تنسب إلى القلب كما قال تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ “البقرة:283″، وأن العمى عمى القلب كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ “الحج: 46”.

كما بيَّن أن نور الإيمان ينبع من القلب فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ “الفتح: 4″، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ “الأنفال: 2”.

أعمال القلوب وأعمال الأبدان:

والقلب هو محل نظر الله تعالى من العبد، وهذا داخل في عموم قوله J: (إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى أجسامِكم ولا إلى أموالِكم، إنما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم)، وقال J: (إنَّ العبدَ ليعمل أعمالاً حسنةً فتصعدُ بها الملائكةُ في صحفٍ مختمةٍ فتلقى بين يدي اللهٍ تعالى فيقول: ألْقُوا هذه الصحيفةَ فإنه لم يُرِدْ بذلكَ وَجْهِي، ثم ينادي الملائكةَ: اكتبوا له كذا واكتبوا له كذا، فيقولون: ربَّنَا إنه لم يعمل شيئـًا مِن ذلك، فيقال: إنه نَوَاهُ).

وفى حديث أنس بن مالك 0 لما خرج رسول الله J في غزوة تبوك قال: (إنَّ بالمدينةِ أقوامـًا ما قَطَعْنَا واديـًا ولا وَطِئْنَا موطئـًا يغيظُ الكفارَ ولا أنفقنا نفقةً ولا نصبنا نصبـًا ولا أصابتنا مخمصةٌ إلا شاركونا وهم بالمدينة، قالوا: وكيف ذلك يا رسولَ اللهِ وليسوا مَعَنا؟، قال: حَبَسَهُم العذرُ فشَاركونَا بحسنِ النيَّة) “البخاري وأبو داود عن أنس”.

وقال J: (إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولِه، فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه، ومَن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ يتزوج بها، فهجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه) “البخاري ومسلم”، فأخبر أنه لا عمل إلا بالنية، ثم جعل لكل عبد نية، ثم رد طالبي الدنيا والأزواج إلى نياتهم، وحكم عليهم بها وجعلها نصيبهم من الله تعالى؛ وفق ذلك لهم أو لم يوفقه، فبطلت هجرتهم بفساد نياتهم، وصارت همتهم بدنياهم وهواهم سبب حرمان ثواب المخلصين لله بحسن نياتهم وطلب آخرتهم، وكان ذلك في الآخرة حسرة عليهم، وفي الدنيا شينـًا لهم.

فصلاح العبد من صلاح قلبه كما قال J: (ألا وإنَّ في الجسدِ مضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كُلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كُلُّه؛ ألا وهي القلب) “البخاري ومسلم”.

فأكمل الأعمال هي أعمال القلوب، وأعمال الجوارح المجردة عن أعمال القلوب مختلَف في قبولها بنص قوله J: (إنما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)، وبما ورد في محكم الآيات القرآنية من الحث على الإخلاص والصدق والتفكر، قال تعالى: )فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ( “غافر:65″، وقال تعالى: )وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) “البينة:5″، وقال سبحانه : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ( “التوبة: 119”.

فيلزم الوقوف بالأدب عند ما أمر به المولى سبحانه وتعالى؛ وما عمله J؛ بالمحافظة على ذلك بعزم صحيح واحتياط، حتى يتحقق العامل أنه متابع متابعة حقيقية مع الاستطاعة، والمحافظة على ذلك في كل فروع الشريعة من أعمال القلوب وأعمال الأبدان معًا.

فأعمال القلوب: كالإيمان والخشوع والرغبة والرهبة والخشية والخوف والإخلاص، والحب في الله والبغض في الله، والرجاء والطمع، والإنابة والتوبة، ومكارم الأخلاق من التواضع والعفو والرحمة والشفقة والصلة والبر والإحسان.

وعمل الأبدان: كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وذكر اللسان، ومعاونة المسلمين، والعبادة، وإكرام الضيف والجار، والسعي لطلب العلم وطلب الرزق، والإصلاح بين الناس.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.