غلو التكفير وشهوة التأويل (3/3)

غلو التكفير وشهوة التأويل (3/3)

islam wattan . نشرت في المدونة 183 لاتعليقات

استوقفني كلام بعض الأصدقاء عما يسمعونه من محاولات مستدامة من قبل بعض التيارات الدينية المتشددة والتي تغالي في الرأي والتأويل أيضًا، ونذكر إخواننا بأنه لما سئل علي بن أبي طالب عن الذين قاتلوه أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فرُّوا، فقيل له: أمنافقون؟ قال: لا…

الدكتور بليغ حمدي

الغُلُوُ فِي التَّأْوِيْلِ

استوقفني كلام بعض الأصدقاء عما يسمعونه من محاولات مستدامة من قبل بعض التيارات الدينية المتشددة والتي تغالي في الرأي والتأويل أيضًا، ونذكر إخواننا بأنه لما سئل علي بن أبي طالب عن الذين قاتلوه أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فرُّوا، فقيل له: أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، فقيل له: فما حالهم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا. هذا هو الإرث والميراث والتركة الحقيقية، فما بال هؤلاء يأتون بأمر عجيب وهو التكفير.

وهناك أسباب ومبررات متأصلة تدعو للغلو في التكفير. ولعل المنزل أو السلطة الأبوية متمثلة في الأب والأم هو النواة الأولى لخلق التعصب والتمذهب الفكري تجاه بعض الأفراد والآراء والقضايا. ومن منا لم يسمع يومًا ما من أبويه كلمات سلطوية بعينها مثل هذا فاسق، وذلك فاجر، وهؤلاء لا يعرفون ربهم، وغيرها من الكلمات التي تؤسس مرجعية فكرية تصيب صاحبها بورم مزمن لا شفاء له.

ولقد أجمع المفكرون أن خطورة الفكر التكفيري تتمثل في إحداث حالة من الانفصام والانقسام والتمييز داخل المجتمع الواحد بين أبنائه، وهم بذلك أعداء للتنمية والتطوير والتجديد، وأعتقد أن المجتمع كفاه ما قد يعانيه من تمييز واستبعاد اجتماعي لبعض أفراده. هذا ولا بد من منهج واضح ومحدد الملامح لمواجهة هذا الفكر، وإحداث مناعة حقيقية لدى أفراد المجتمع ضد كل ما يسمعونه من صيحات تكفيرية، ومراجعة بعض كتب التراث التي تغذي الفكر التكفيري وتنقيتها.

شَهْوَةُ التَّأْوِيْلِ وأكَازيُون الفَتَاوَى

أعجبتني عبارة ” هموم التخلف واحدة” التي قرأتها وأنا أطالع تقرير حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي والذي تناول تدهور حقوق الإنسان العربي الأربعة بدءًا من حق الحياة، وحق التعبير، وحق الاعتقاد الديني، وانتهاءً بحق تكوين الجمعيات. وسرعان ما ربط بين هذا التقرير وما يتضمنه من آراء لعل بعضها جادة ومحترمة، وبين حق أغفله التقرير نفسه، ألا وهو حق التأويل.

ولكني أدركت أن التأويل في حد ذاته لم يعد حقًّا يطلبه الإنسان، بل أصبح فريضة يؤديها ليل نهار على كل ما يمارسه من سلوكيات وقيم وأفكار، هذا إن يفكر من الأساس، وقراءاته هذا إن كان يقرأ في الأصل، وعلى ما يسمعه ويشاهده وأظن أنه لا يفعل ذلك أبدًا، أقصد تأويل ما يسمعه. المهم أن التأويل بدلاً من أن يكون حقًّا مكتسبًا، صار شهوة موروثة بعلة وحجة أن صحة التأويل مرجعها الإجماع المطلق.

وعلماء الدين الأفاضل اتفقوا على ضرورة التأويل في المواضع التي تثير الشبهات فقط، وهذا يجعل الناظر (أي الذي يرى الأشياء بنظرة ثاقبة وروية) لقضية التأويل ملتبسًا بعض الشيء، فكيف يقضي رجال الدين بشيء ولم يتفقوا وتجتمع آراؤهم عليه اجتماعًا وإجماعًا مطلقًا. وهذا يذكرني بما صنعه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” حينما كفر الفارابي وابن سينا لأنهما خرقا الإجماع في التأويل، رغم كونهما من أهل الإجماع أي أن رأي الغزالي فيهما لا يعتد به شرعًا، وهما (أي الفارابي وابن سينا) أكدا على توجه التربية إلى الاهتمام بالإنسان من جميع جوانبه، وأبعاده الروحية والعقلية والجسمية وغرس الفضائل والعادات السليمة.

إذن قضية التأويل لم تكن حديثة العهد بواقعنا العربي الراهن، بل هي ضاربة في جذورنا الثقافية وكم من مفكر صارع وصرع من أجل إثبات هذا الحق للمواطن العربي قبل أن يصبح اليوم مشاعًا. وإذا راهنت نفسك بسؤال أحد الأفاضل الذين امتلكوا وحدهم حق التأويل عن شروط التأويل، وشروط القائم بالتأويل ستكسب رهانك؛ لأنه سيسرد لك عبارات عامة عن القراءة والاطلاع والثقافة وامتلاك ناصية اللغة، ولو أن أحدًا من هؤلاء بذل جهدًا بسيطًا أقل مما يبذله في إعداد ما يقوله إما للصحف أو للفضائيات الفراغية لما وصل بنا الحال وبشبابنا إلى حالة الفكاك المستديمة تلك التي نعانيها منذ أمد.

ولو أنه خرج قليلاً من عباءات الضيق والجمود الفكري التي يعاني بعضهم منه وقرأ كتابًا مهمًّا للقاضي ابن رشد وهو “مناهج الأدلة في عقائد الملة” لاستطاع أن يعبر بعقله أولاً ثم بعقول أبنائنا وشبابنا إلى المستقبل، وإلى خلق جيل أكثر تفكيرًا ووعيًا من سابقيه. فلقد حدد القاضي الفقيه ابن رشد شروطًا للقائم بالتأويل أبرزها أن يكون من العلماء أصحاب النظر البرهاني، أي الذي يبني على مقدمات يقينية، وليست فقط أن تكون مشهورة بين الناس. وفرغ ابن رشد من حديثه إلى أن الشريعة الإسلامية تؤيد التأويل وتحث عليه، بحجة أن النظر في الموجودات المصنوعة تدل على صانعها.

ولأن التأويل (وهو أمر جلل) أصبح يمثل شهوة لدى بعض العلماء الأجلاء الذين يطلون علينا عبر الفضائيات تراهم أكثر الناس استخدامًا للفظة (كل) التي تفيد التعميم والإطلاق دون تخصيص، فيقولون: كل الناس تفعل كذا، وكل المصلين يفعلون كذا، وهكذا.

ثم إنك لتجد بعضهم وكأنه في سباق محموم مع الآخر، فهو إما يناشدك بالدخول في مناظرة ومقارعة علنية، أو يكتفي بأنه أكبر من الرد على مثل هذه التفاهات. وهم في الحالتين وأقصد بعضهم لا الكل بمنأى عن الدعوة وعن اليقين وعن الحقيقة، وربما هم قريبين أيضًا من كل هذا، عملاً بقول الله تعالى: ]قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً[ (الإسراء: 13) وكلمة (من) تفيد التبعيض والتخصيص والاستثناء لا التعميم والإطلاق والله أعلم.

ونرى من العلماء الأجلاء كالرازي والآمدي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري أنهم أكدوا على أن الأمة إذا اختلفت في تأويل آية كانوا على قولين، وأجازوا لمن بعدهم إحداث قول ثالث، هذا بخلاف ما إذا اتفقوا في الأحكام على قولين فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وهكذا كانت سماحتهم ووعيهم الديني بالتأويل وقبول الرأي الآخر ما لم يكن مخالفًا للشرع.

الخلاصة

وخلاصة القول والرأي في هذا أن التأويل والحمد لله لم يعد حقًّا يطالب به بنو البشر على السواء؛ لأنه بالرغم من أنه أصبح مشاعًا، إلا أن فئة من العلماء أصحاب العقول الراجحة الجانحة اغتصبوا هذا الحق لهم وحدهم، وتركونا منفردين على حالات؛ إما نخاف على هيبتنا واحترامنا الثقافي والفكري لأنفسنا فالتزمنا الصمت، وإما أننا أكبر من كل هذا الذي يقولونه ويبثونه بثًّا فيصير هباءً منثورًا، أو نقبله كما تورد الإبل نحو الماء، فاللهم لا تجعلنا إبلاً تورد للماء طوعًا وقسرًا وكراهية.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.