شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (78)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (78)

islam wattan . نشرت في المدونة 107 لاتعليقات

تحدثنا فى الحكمة السابقة التى تقول: السعادة الحقيقية هى نوال خير لا يعقبه شر، عن ماهية السعادة، وكيف تتحقق عند الإنسان، ومازلنا نبحث عن السعادة أيضًا – إتمامًا للفائدة – فوجدناها فى حكمة أخرى للإمام أبى العزائم تقول: خمسة من السعادة: اليقين فى القلب، والورع فى الدين، والزهد فى الدنيا، والحياء، والعلم، وكل ذلك فى محاولة لاستكشاف طريق السعادة الحقة، كما بينها علماء الدين من أهل اليقين.

الأستاذ سميح قنديل

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (78)

الحكمة الثامنة والسبعون

خَمْسَةٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْيَقِينُ فِي الْقَلْبِ، وَالْوَرَعُ فِي الدِّينِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَالْحَيَاءُ، وَالْعِلْمُ.

تحدثنا فى الحكمة السابقة التى تقول: السعادة الحقيقية هى نوال خير لا يعقبه شر، عن ماهية السعادة، وكيف تتحقق عند الإنسان، ومازلنا نبحث عن السعادة أيضًا – إتمامًا للفائدة – فوجدناها فى حكمة أخرى للإمام أبى العزائم 0 تقول: خمسة من السعادة: اليقين فى القلب، والورع فى الدين، والزهد فى الدنيا، والحياء، والعلم، وكل ذلك فى محاولة لاستكشاف طريق السعادة الحقة، كما بينها علماء الدين من أهل اليقين.

ولأنها مطلب الجميع، استفاض العلماء فى الحديث عن أسباب السعادة التي تحصل بها الحياة الطيبة، ويتم بها السرور والابتهاج، ويزول بها الهم والغم بأقوال كثيرة، وكان من بين ما قالوا أن من أهم هذه الأسباب:

من أسباب السعادة

1- الإيمان والعمل الصالح:

قال تعالى: )مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يعملون( (النحل: 97).

فأهل الإيمان يتلقون ما يسرهم من النعم بالقبول وشكر الله عليها، واستعمالها فيما ينفع، وبالتالي يحصل لهم الابتهاج والسرور، ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالصبر الجميل، واحتساب الأجر والثواب, قال J: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا) رواه مسلم.

2- الإحسان إلى الخَلق بالقول والعمل وأنواع المعروف:

فإن ذلك يدفع الله به عن البَر والفاجر الهموم والغموم، إنما خُص المؤمن منها بأكمل الحظ والنصيب، إذ يتميز إحسانه بأنه صادر عن إخلاص واحتساب، فيهون الله عليه بذلك المعروف ما يرجوه من الخير، ويدفع عنه المكاره بإخلاصه واحتسابه، قال تعالى: )لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا( (النساء: 114).

3- الاشتغال بعمل من الأعمال الصالحة أو علم من العلوم النافعة:

مما تأنس به النفس وتشتاقه، فإن ذلك يلهي القلب عن اشتغاله بالقلق الناشئ عن توتر الأعصاب، وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه وازداد نشاطه.

4- اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر:

وترك الخوف من المستقبل، أو الحزن على الماضي، فيصلح يومه ووقته الحاضر، ويجد ويجتهد في ذلك، قال J: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ) رواه مسلم.

5- الإكثار من ذكر الله:

فإن ذلك من أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينة القلب، وزوال الهم والغم، قال تعالى: )أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( (الرعد: 28).

يقول الإمام 0:

أشاهدُ حالَ الذكرِ وجهَ حبيبى

فيُكرمنى فى الذكرِ بالمشروبِ

فأذكرُه بالروحِ والقلبِ حاضرًا

فيذكرنى المذكور بالتقريــبِ

أكون أنا المذكورَ والذكرَ ذاكرًا

حبيبى بلا سَتر ولا تحجـِـيب

6- النظر إلى من هو أسفل منه:

كما قال J: (أنظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) [رواه البخاري ومسلم]، فبهذه النظرة يرى أنه يفوق كثيرًا من الخلق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله عليه.

7- السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم:

وذلك بتحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره بها يكون من باب العبث والمحال، فيجاهد قلبه عن التفكير فيها.

8- تقوية القلب وعدم التفاته للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة:

لأن الإنسان متى استسلم للخيالات، وانفعل قلبه للمؤثرات، من الخوف والأمراض وغيرها، أوقعه ذلك في الهموم والغموم، والأمراض القلبية والبدنية والانهيار العصبي.

9- الاعتماد والتوكل على الله:

والوثوق به، والطمع في فضله، فإن ذلك يدفع الهموم والغموم، ويحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور الشيء الكثير.

10- أن يقارن بين ما أصابه من مكروه وما هو فيه من النعم:

سواء كانت هذه النعم دينية أو دنيوية، فإنه سيظهر له كثرة ما هو فيه من النعم، وتستريح نفسه وتطمئن، ويرضى بما قسمه الله له.

خمسة من السعادة

وجاء فى هذه الحكمة التى يقدمها لنا الإمام أبو العزائم 0، أن من الأسباب التى تحقق السعادة الحقيقية للإنسان خمسة أمور، نقدمها بإيجاز وهى:

1- اليقين فى القلب: اليقين هو محو الشك والريب، بما ينتج الإيقان بالآخرة، وهو شهود أسرار الآيات، وسر القدرة السارى فى الكائنات، ونور الحكمة المنبلج للبصائر فى كل الموجودات، وهو نور من أسرار المشاهدة، وسر من أنوار المعرفة، ومقام من مقامات الزلفى، به يحصل التحقيق، ويدوم الحضور مع الحق، وهو حال من الشهود والرضا فضل من الودود، ولا شك أن من أكرمه الله باليقين فى القلب – بما سبق من البيان – يكون من أسعد الناس فى كل أموره وأحواله.

يقول مولانا الإمام:

أهل اليقين الحق قد شربوا الشراب

راحًا طهورًا يُحتسى حال الغيـاب

راحٌ طهور قد يُدار على الفتــى

من شم طيبَ عبيره بالقرب طاب

دارت قبيْل ألستُ يشربـُـها الذى

نال الشهودَ بحُظوة فى الإقتـراب

من غير كأسٍ بل بعينٍ قدِّســت

قد تحتسى فى البدءِ فضلاً والمآب

قبل العهودِ بها سكرتُ ولم أفِـق

والصحوُ تحقيقى بمرتبةِ التـراب

2- الورع فى الدين: الورع هو ترك الشبهات، وهو ترك الاستطالة فى المباح حذرًا من الوقوع فى المكروه، وهو باب من أبواب الآخرة، ومن جمَّله الله بالورع بحفظ جوارحه جميعًا تعظيمًا للحق، يستشعر السعادة فى كل أوقاته وأنفاسه، ملاحظًا الحق فى كل حال من أحواله.

3- الزهد فى الدنيا: الزهد هو ترك ما يشغل عن الله جملة، وإيثار الحق على نفسك فى كل شيء، وهو ترك طاعة الهوى، وأن تعمل فى الدنيا للآخرة، وأن لا تحب وجود الشيء ولا تأس على فقده، والزهد مفتاح الخير، وهو ترك الدنيا عند إقبالها، ومن وفقه الله للزهد بمعناه، كان من أهل السعادة فى الدنيا والنجاة فى الآخرة.

4- الحياء: لا يأت الحياء إلا بخير، ومعناه: انقباض النَّفس مِن شيءٍ، وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه، (وقيل أن الحَياء: خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وقيل: هو تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان مِن خوف ما يُعَاب به ويُذمُّ، ومحلُّه الوجه، ومن استشعر الحياء فى أخلاقه وأحواله شعر بالسعادة القلبية، والراحة النفسية، وحفظ ماء وجهه من كل ما يكدِّره.

5- العلم: هو حياة القلوب ومصباح البصائر، وهو غذاء الأرواح، وهو عبء ثقيل على الأشباح، وهو ما هذَّب نفسك، وجمَّلك بحسن الخلق، وبالتواضع لبنى الإنسان، وبالرحمة بالخَلق، وهو ما كشف لك غيبًا عنك لا تدركه الحواس، وهو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، ومن رزقه الله العلم النافع سعد به وأسعد غيره، ونفع به ونفع غيره، وكان من السعداء، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.