الهجرة الباقية في الرؤية الإسلامية

الهجرة الباقية في الرؤية الإسلامية

islam wattan . نشرت في المدونة 176 لاتعليقات

تُعدُّ العقيدة الراسخة في قلوب المؤمنين، مدخلاً إلى ولاية بعضهم بعضًا، فالعقيدة الإيمانية هي التي تقوي آصرة العلاقة بين المؤمنين، وتقوي وشائجهم في المجتمع الإسلامي، لتضمن تلك العقيدة نسيج ولاء المؤمنين على أساسها.

الدكتور خالد برادة

المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض

تُعدُّ العقيدة الراسخة في قلوب المؤمنين، مدخلاً إلى ولاية بعضهم بعضًا، فالعقيدة الإيمانية هي التي تقوي آصرة العلاقة بين المؤمنين، وتقوي وشائجهم في المجتمع الإسلامي، لتضمن تلك العقيدة نسيج ولاء المؤمنين على أساسها؛ لأن الولاء في المجتمع الإسلامي لا يتم إلا على أساس العقيدة، ومن هنا كان المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، وقد تزول الولاية إذا قعدوا مع القاعدين، فثمة لا ولاية لهم، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ (الأنفال: 72)، يقول ابن العربي: “إن كل مسلم كان عليه فرضًا أن يأتي رسول الله J فيكون معه حتى تتضاعف النُّصرة، وتنفسح الدَّوحة، وتحتمي البيْضة، ويتعلموا شريعتهم حتى يبلغوها إلى يوم القيامة، وكان من سار إلى رسول الله J مُؤهَّلا لحمل الشريعة وتبليغها، متشرفًا بما تقلد من عُهدتها، وكان من بقي في موضعه خائبًا من هذا الحظ، منحطًّا عن هذه الرتبة”([i]).

إن الذَّود عن بيضة الإسلام الناصعة بأحسن ما يملك المهاجر من شرف تبليغ الرسالة لهو من أسمى المطالب، التي ينال بها أشرف المراتب، عند العزيز الواهب.

الهجرة مفتاح النصر

إن الهجرة طريق موصل إلى النصر، ولذا نعدّها مفتاحًا له؛ وليعلم المسلمون أن بينهم وبين النصر خطوة أو خطوتان، فهل لهم أن يخطوهما ليحققوا بذلك النصر الذي وعدنا به ربنا، فهو القائل سبحانه: ﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214)، وحقًّا إن هذا النصر كما يقول صاحب الظلال “مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء.. فهم يتطلعون فحسب إلى نصر الله، لا إلى حل آخر، ولا إلى نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله”([ii]).

ولا غرو أن الهجرة باب العزة والكرامة لمن يجالدون الخطوب ويتحدون الصعاب، سعيًا إلى النصر الذي وعدهم به ربهم، وإني أزداد إيمانًا حتى النخاع في أن الهجرة مفتاح النصر؛ لأنها ملاذ آمن من الاستذلال والاستضعاف، فهي مقدمة لا بدَّ منها للنصر وانطلاق إليه، فالمهاجر الذي نصر دين الله يكون جزاؤه النصر، ونحن نعلم أن الجزاء من نفس جنس العمل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، والإسلام في رسالته الأخلاقية لتوطيد معاني العدل ومحاربة الظلم، تراه يحث على نصرة المظلوم، وفي ذلك يقول الرسول J: “من أذل عنده مسلم فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة”([iii]).

وهكذا فإن الهجرة والنصرة تظلان ضرورتان لا يمكن بحال من الأحوال أن تستغني عنهما الإنسانية في وضعها الراهن، حتى تخلع عنها ربقة الأعرابية التي أشرنا إليها في مقالنا هذا مُجِلِّين خطورتها.

وإن من واجب الأمة المتلهفة للنصر أن تعود إلى شريعة ربها فتعمل على تنزيلها في الحياة، ويومها تكون قد أخذت بأسباب التمكين، للنصر في رحاب هذا الدين.

لمحة عن الهجرة لطلب العلم

نود أن نشير ولو بعجالة من القول إلى نوع هام من الهجرات التي وقعت في الصدر الأول للإسلام، وما تزال بدورها مستمرة إلى يوم القيامة، ونرمي هنا إلى الهجرة لطلب العلم، وخاصة لتلقي ولو حديث من أحاديث الرسول صلى لله عليه وسلم، وقد اصطلح عليها بالرحلة في طلب الحديث، وقد أولى العلماء الرحلة أهمية بالغة، بل إن منهم من أفردها بمصنف خاص كالخطيب البغدادي (ت463هـ) الذي ألَّف كتابًا سماه: (الرحلة في طلب الحديث)؛ وهذه هجرة حركية لها من الأهمية في الإسلام الشيء الكثير، ذلك لأن الإسناد لا يتم حصوله إلا بلقاء الشيخ والسماع منه والعرض عليه، وكم أرسل الطلاب الدموع هتَّانة المسارب حسرات على موت المحدِّث الذي كانوا يعتزمون الرحلة إليه طلبًا لما عنده من الرواية، أو بعد وصولهم إلى موطنه متأخرين، لتهزهم فجاءة موت من رحلوا للسماع منه([iv])، ونحن نعلم أن الإسناد من الدين، وخصيصة من خصائص هذه الأمة، والسبيل الموصل إليه هو لقاء المحدِّث عن طريق الرحلة إليه إذا كان في مصر من الأمصار.

وموضوع الرحلة في طلب العلم والحديث جدير بأن يطرق، ولكنا هنا لسنا في حاجة إلى بسطه؛ لأن المقام لا يستدعي البسط ولا يقتضيه، وحسبنا أن لمحنا إليه عسى أن نهاجر إلى تحصيل العلم والتضلع فيه، لتزداد معرفتنا بالله تعالى فنخشاه ونتقيه، ونكون بحق ممن وصفهم الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28).

الهجرة برؤية قرآنية هي الهجرة المقصودة

إن الهجرة إلى الله تعالى برؤية قرآنية حضارية، هي الهجرة المقصودة المنشودة؛ لأنها تنطلق من رؤية حصيفة، فهي “رؤية توحيدية إعمارية، وغائية أخلاقية خيّرة تفعِّل الفطرة السويّة وترشِّدها، وتعتمد العلمية السننية في إدراك الفطرة والسنن الكونية وبلورة الوعي بها، وترشيدها”([v])؛ وبالاستضاءة بجذوتها يحتمي المسلم من الارتماء في شطحات المتطرفين، وتأويلات المستخفين القاعدين.

كما “أن توجيه الفكر برؤية قرآنية يزيد الإيمان، ويرشد عقل الحيران، لمعرفة الله تعالى وخشيته وتقواه؛ وهذا هو العلم المنشود، الذي يحقق الخشية من الله تعالى، القائل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)”([vi]).

إن الانطلاق بدون رؤية واضحة يعيق السبيل أمام المقصد المتوخى من الهجرة؛ فليحذر المسلمون من التأثر بالفكر الوافد، الذي كان له أسوأ الأثر على ثقافتهم، ونال من رؤيتهم الكونية الحضارية فعتّمها، وأحالها من رؤية واضحة إلى رؤية فيها من الغبش ما يرد الطرف وهو كليل؛ ومن هنا ندرك يقينًا أن “التخبط الفكري العقائدي، يؤدي إلى غبش الرؤية الكونية الإسلامية.. مما أدى إلى مزيد من ضعف روح الأمة السياسي، وتراجع منطلقاتها”([vii]).

الهجرة باقية

وصفوة القول أن الهجرة باقية لا ينضب معينها، ولا يخبو أوارها، وأنّى لها أن تطويها الأيام، ونبضها يهتف في قلوب المؤمنين الذين يتطلعون إلى غدٍ باسم، يعيد لهم حضارتهم المجيدة التي لن يعرف لها كيان إلا في رحاب الإسلام الذي تستنشق فيه عبير إرساء نواتها، ابتداء بالهجرة، ومرورًا بالمؤاخاة، وانتهاء بالنصرة لهذا الدين، مستحضرين في ذلك النموذج النبوي الذي ينبغي أن تسعى الأجيال المسلمة إلى تنزيله في واقعها حتى تنفض عن كاهلها وطأة أيام الظلم، وأحداث الزمان المتجهم في وجهها.

وإن أمتنا أحوج إلى الهجرة اليوم، حتى تعود لها عزتها، التي تستمدها من الصدع بتوجيهات دينها، فتحقق الفتح المنشود، ويومها تبني صرح وحدتها القوية في مجتمع متماسك، يعيش أهله في بَلْهنيَّة من العيش، مقتدين برسول الله J؛ وهكذا نريد أن نحقق ثمرات الهجرة في زماننا، مقتفين خطوات الصحابة الجِلّة الكرام الذين نصروا الله ورسوله.

وهكذا فإن الهجرة في الإسلام ليست حدثًا تاريخيًّا فحَسب، توارى خلف الحُجب، ودخل في طيِّ النسيان، بل إنه لا يزال ساريًا في الأمة الإسلامية؛ وما لم نهاجر إلى الله تعالى، فسنبقى في أطراف جماعة المسلمين، راضين بالأعرابية، نائين عن حمل الرسالة الربانية.

([i]) أحكام القرآن، ابن العربي، ج 2، ص 569.

([ii]) في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، ط 24، 1415هـ / 1995م، المجلد 1، الجزء 2، ص 219.

([iii]) مسند الإمام أحمد، ج 19، رقم الحديث 120.

([iv]) لأستاذنا الدكتور محمد بن عزوز –حفظه الله- كتاب سماه: (الحسرات فيمن رحل للسماع على محدث فوجده قد مات)، سرد فيه أخبار مجموعة من الرحالة الذين ارتحلوا للسماع على محدثين كبار؛ ولكن حصل أن حال موت الشيخ -الذي يمّم أحد الطلاب وجهه صوبه- دون ذلك، ففاته السماع عليه؛ فيعتصره هول المصاب، بعد أن توارى الشيخ تحت التراب، فليس غريبًا أن يصدر عمن رحل للجلوس بين يديه أنين الحسرات، ولهيب الزفرات.

([v]) الرؤية الكونية الحضارية القرآنية، د. عبد الحميد أبو سليمان.

([vi]) انظر مقالنا: أهمية الصلة بين الإيمان والفكر، مجلة الوعي الإسلامي، العدد (624)، شعبان 1438هـ/ أبريل- مايو 2017م، ص 15.

([vii]) الرؤية الكونية الحضارية القرآنية، د. عبد الحميد أبو سليمان، ص 31. (بتصرف يسير).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.