الطائفيون والحكماء السبعة (2)

الطائفيون والحكماء السبعة (2)

islam wattan . نشرت في المدونة 85 لاتعليقات

قلت: قد يعرف الأطباء المختصون أن فردًا من الناس يحمل جينًا مسئولاً عن مرض معين.. فينصحونه بمحاولة تفاديه.

قال: وكيف يتفاداه وقد رسم في جيناته؟

الدكتور نور الدين أبو لحية

كيف نتفادى المقدور؟

قلت: قد يعرف الأطباء المختصون أن فردًا من الناس يحمل جينًا مسئولاً عن مرض معين.. فينصحونه بمحاولة تفاديه.

قال: وكيف يتفاداه وقد رسم في جيناته؟

قلت: لكل مرض سببان: أصلي، وهو ما رسم في جيناته من حروف العلة، واستفزازي، وهو ما يوفر للمرض دواعي الظهور.

قال: وهل يمكن أن يحلم حامل المرض الوراثي أن لا يظهر عليه المرض المسطر في جيناته؟

قلت: أجل.. إذا عرف كيف يترك علته في طور الكمون بأن لا يوفر لها دواعي الظهور.

قال: فقد فهمت إذن سر إخباره J عن إمكانية تعرض الأمة للفتن فيما بينها.

قلت: لم أفهم.. لقد كنا نتحدث عن جسد الأفراد، لا عن جسد الأمة.

قال: خالق الجسدين واحد.. وقد أخبر J أن المؤمنين كالجسد.. فاعبر من جسد الفرد إلى جسد الأمة.

قلت: لا طاقة لي بالعبور.

قال: لقد أخبر J أن هذه الأمة تحمل جينات قد تسبب تفرقها واختلافها.. وهو ما قد يجر إلى أن يكون بأسها بينها شديدًا.

قلت: وهذا هو المقدور.

قال: لم يكن J في هذا الحديث ينبئنا عن المقدور فقط، بل كان ينبئنا عما يجب أن نفعله لنتفادى هذا الذي سطر في جينات الأمة.

قلت: كيف نتفاداه وهو مقدور؟

قال: كما يتفادى العليل علله الوراثية بأصناف التحصينات التي تمنع استفزاز علله.

قلت: فالنبي J كان ينصحنا إذن.

قال: كل أحاديث رسول الله J نصائح لا يستطيع أي شيء في الدنيا أن يعوضها.. ولكنكم تحولونها إلى أشواك تزرع اليأس وتجني الإحباط.

قلت: ولكن كيف لا نحبط.. وقد خصت هذه الأمة بهذه الجينات الخطيرة.. ألا يصاب المريض بالحزن إن علم أن بعض جيناته تختزن السم الزعاف؟

قال: هذا الجين الذي أخبر عنه J دليل على كمال الأمة، وبشارة بانتشارها.

قلت: كيف ذلك؟

قال: كل كمال لا بد أن يحمل بذور التعدد.. وبذور التعدد هي التي قد تنشئ الاختلاف.. وهو الذي قد ينشئ العداوة.

قلت: فقد انتهى الأمر إلى العداوة.

قال: وقد ينتهي إلى تعدد الكمال..

قلت: لا أفهم هذا.

قال: هذه الأمة تضم الأجناس والألوان المختلفة.. وهي تضم معهم ألسنة متشعبة، وأعرافًا متباينة، ومشارب تختلف أذواقها.. وكل هذا الاتساع والانتشار في الطبيعة ينشئ اتساعًا وانتشارًا في الفكر والفهم والسماع.. وهذا كله موصل للكمال.

قلت: لا أزال قاصرًا عن إدراك سر علاقة الكمال بهذا.

قال: أرأيت لو أن تلميذًا منَّ الله عليه، فتتلمذ على مشايخ تتعدد مشاربهم ولغاتهم.. فكل يعبر له عن المعلومة بأسلوبه ولغته.. أيهما أكمل: أهو، أم ذلك الذي لم يغادر بلده، ولم يتلق من غير معلم قريته؟

قلت: لا شك أن الأول يكون أكثر نضجًا وعمقًا، وأقرب إلى الكمال من الثاني.

قال: فكذلك هذه الأمة.. لقد خصها الله بميزتين استدعت ظهور الاختلاف: أما أولهما، فهو أنها عامة للبشر جميعًا بطبائعهم المختلفة، وأما الثاني، فهو أنها الرسالة الخاتمة التي هيمنت على الكل، ولم يبق بعدها أي رسالة تنسخها.

قلت: فهمت سر الكمال المؤدي إلى الاختلاف في الأول، ولم أفهمه في الثاني.

كيف نتفادى الخلاف؟

قال: إن كونها الرسالة الخاتمة يستدعي ضمها لكل الاحتياجات، ويستدعي كذلك تقبلها لكل المشارب.. وهذا مما ينشئ الخلاف.

قلت: كيف ينشئ الخلاف؟

قال: ينشأ الخلاف عندما ينشأ المتعصبون الذي يتصورون الدين قاصرًا على ما فهموه منه.

قلت: فكيف نتفاداه؟

قال: بعلوم وأخلاق من تعلمها وتخلق بها حفظ من آثار هذا الجين الفاتك، فلم يمد سيفه على أخيه، ولم يسلط جيوش لسانه عليه.

قلت: فأين أتعلم هذه العلوم.. وأتدرب على هذه الأخلاق؟

قال: هنا في حصن الوحدة.. فهو الحصن الذي يدرب المستضعفين على ضم القلوب والأرواح لتتوحد في عبوديتها لله.. فعبودية الله تجمع ولا تفرق.

قلت: أرى أجنحة كثيرة في هذه الحصن.. وأرى فيها أمورًا لم أرها من قبل.

قال: لهذا الحصن قصة.. ولن تعرف في هذا الحصن من هذا الحصن إلا هذه القصة، وأحسب أنها تكفيك.

قلت: فمن يقصها علي؟

قال: سأقصها عليك أنا..

قلت: أنت!؟

قال: أجل.. لأنها حدثت بين قومي.. وقد تعلمت منها ما رضي قادة هذا الحصن أن يجعلوه برنامجًا تدريبيًا للمستضعفين فيه.

***

كانت هناك نخلة قريبة منا تمتلئ بأعذاق التمر الطيب.. فطلبت من صاحبي أن نجلس تحتها لنسمع قصة مدينته التي صارت مدرسة للوحدة في هذا الحصن.

سكت صاحبي برهة، وكأنه يسترجع ذكرياته.. ثم قال: في تلك السنين كنا أهون المستضعفين.. لقد وفر أعداؤنا على أنفسهم شراء السلاح، واكتفوا بأن يبيعوا السلاح لنا لنقدم لهم أجسادنا وفوقها أموالنا.

قلت: أي جنون أصاب قومك يا هذا؟

قال: هو نفس الجنون الذي يصيب قومك.. ألا تراهم بارعون في قتال بعضهم بعضًا؟.. ألا ترى أنهم انشغلوا عن التحذير من الشيطان وأولياء الشيطان بالتحذير من تلك الطائفة وتلك الطائفة؟.. ألا ترى أنهم يعبدون أنفسهم وأهواءهم وأعراقهم ومذاهبهم، وهم يحسبون أنهم يعبدون الله.

قلت: صدقت في هذا.. أكمل حديثك عن قومك..

قال: قومي كقومك.. كانوا لا يعرفون من الدين إلا مواطن الخلاف، يحفظونها وينشرونها ويربون أبناءهم عليها.. حتى إذا كبر أبناؤهم حملوا السلاح ليضرب به بعضهم بعضًا..

قلت: عرفت كل هذا من قومي.. فحدثني كيف صار هؤلاء المتنافرون مدرسة من مدارس الوحدة.

الحكماء السبعة

قال: لقد ولد فينا شباب طيبون اعتزلوا كفتية أهل الكهف لا نراهم ولا نسمع أخبارهم حتى نزلوا علينا ذات يوم، ونحن نشهر أسلحتنا للمعركة الفاصلة بيننا وبين أعدائنا من إخواننا.

قلت: فماذا فعلوا؟

قال: لقد كان في وجوههم من نور الإيمان وسلامة اليقين وأدب الحديث ما جعل الكل يلتفت إليهم، ليسمع منهم.

قلت: أهم من طائفتك أم من غيرهم؟

قال: هم من طائفتنا ومن غيرهم، ولكن النور الذي ينتشر على وجوهم جعل منهم طائفة خاصة لا تماثلها أي الطوائف.

قلت: كم كانوا؟

قال: سبعة رجال.. كل واحد منهم جبل من جبال الحكمة.. لقد وقفوا بشجاعة بين الصفين، وطلبوا من كلا الفريقين أن يسمعوا منهم.

قلت: فهل أجابوا؟

قال: لم يملكوا إلا أن يجيبوا.. ولكنهم ظلوا مشهري أسلحتم، وأبوا تركها.

قلت: فماذا فعل حكماؤكم السبعة؟

قال: تقدم أحدهم ورفع صوته الذي امتلأ إيمانًا صائحًا في الجموع: يا إخواننا.. لا نشك في غيرتكم وإخلاصكم.. ولا نشك في إيمانكم بربكم وتعظيمكم له.. ولهذا نناشدكم الله أن تسمعونا.. لا نقول لكم: ارموا سلاحكم، فنحن نعلم ما له من قيمة عندكم.. ولكنا نطلب منكم أن تسمعوا كلمة من كل واحد منا..

لقد التجأنا إلى الله في كل تلك السنوات الطويلة أن يعيد لهذه الأمة وحدتها وقوتها، فعلم كل واحد منا كلمة من كلمات الوحدة، وسرًّا من أسرار الاجتماع.. فاسمعوا منا جميعًا.. ثم افعلوا بعد ذلك ما بدا لكم.

قلت: فهل سمعوا منه؟

قال: لم يملكوا إلا أن يسمعوا.. فقد كان لكلماته من الإخلاص ما جعلها بلسمًا لا تملك القلوب إلا أن تذعن له.

قلت: فهل ستحدثني عن خبر هؤلاء الحكماء مع قومك؟

قال: أجل.. فعلوم هؤلاء الحكماء هي التي يلقنها أهل هذا الحصن للمستضعفين المتشتتين.

قلت: فحدثني حديثهم.. فقد اشتقت إليه.

بدأ صاحبي يتحدث.. وسرح خيالي معه يرسم الأحداث ويعيشها.

البقية العدد القادم

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.