الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (20)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (20)

islam wattan . نشرت في المدونة 94 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن العلم بأن الأبواء هي موضع قبر السيدة آمنة بنت وهب والدة النبي حقيقة من المتفق عليها بين جمهور علماء الإسلام، وليست الحجون بمكة ولا عسفان موضع قبرها.. وفي هذا المقال نواصل الحديث.

الدكتور فاورق الدسوقي

مقدمة

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن العلم بأن الأبواء هي موضع قبر السيدة آمنة بنت وهب والدة النبي J حقيقة من المتفق عليها بين جمهور علماء الإسلام، وليست الحجون بمكة ولا عسفان موضع قبرها B.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

بقية: عرض إحصائي للنصوص الواردة في أبوي النبي J

بقية: ثانيًا: الأحاديث والآثار الواردة في أم النبي J:-

الحديث الثامن:

أخرجه الطبراني في الكبير قال (حدثنا عبد الرحمن بن خلاد الدورقي حدثنا محمد ابن حزم الضبعي البصري حدثنا إسماعيل ابن محمد أبو عامر الأنصاري حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن أبي جناب الكلبي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة نحو المقابر، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرٍ، فرأيناه كأنه يناجي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدموع من عينيه فتلقاه عمر رحمه الله وكان أولنا فقال: بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ قال: إني استأذنت ربي U في زيارة قبر أمي وكانت والدةً ولها قبلي حق أن أستغفر لها فنهاني، ثم أومأ إلينا أن اجلسوا فجلسنا فقال : إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن شاء منكم أن يزور فليزر، وإني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام فكلوا وادخروا ما بدا لكم، وإني كنت نهيتكم عن ظروف وأمرتكم بظروف فانتبذوا فإن الآنية لا تحل شيئًا ولا تحرمه واجتنبوا كل مسكر)([i]).

وهذا الحديث صحيح السند ومتنه خالي من أي غلط أو غرابة، بل إنه يحل لنا مشكلات ظهرت في بعض الروايات السابقة للأسباب التالية:-

أولها: أن الزمان الذي حدث فيه هو يوم فتح مكة .

ثانيها: أن المكان هو بالتالي مقبرة أهل الحرم المكي شمال شرق الحرم بعقبة الحجون، والمسافة بينها وبين المسجد الحرام تقطع سيرًا على الأقدام في أقل من عشرين دقيقة.

ثالثها: قوله J: « إني استأذنت ربي U في زيارة قبر أمي، وكانت والدةً، ولها قبلي حق أن أستغفر لها فنهاني »

فلم يقل (إني استأذنت ربي أن أزور قبر أمي وأستغفر لها فأذن لي في الزيارة ولم يأذن لي في الاستغفار) كما جاء في الأحاديث الأخرى، والأولى والأقرب إلى بلاغة رسول الله J؛ لأن إخباره بأنه أذن له في الزيارة من الإطناب الذي يتضمن خبرًا علمه الصحابة المتواجدون معه حينئذ بالمعاينة إذ شاهدوه قائمًا على قبرها.

وأما نص الروايات الأخرى قوله الأول فذكر الإستئذان من الله ولم يذكر إذن الله تعالى له فيها، ولكنه في هذا الحديث تَخَطَّى هذا إلى قوله J: (وكانت والدةً، ولها قبلي حق، أن أستغفر لها، فنهاني) فلفظ (والدة) خبر كان يفيد أن هذه الأم للنبي J التي زار قبرها في مكة كانت والدةً، فهل يصح لغة أن يقال عن الوالدة، أنها كانت والدة، إن والدة الابن هي الوالدة ووالدته مدى الدهر ولا يقال (كانت والدة) وهذه العبارة على قصرها تَتَضَمَّن معلومة هامة جدًّا في موضوعنا، ألا وهي أن هذه الأم المدفونة في الحجون – إذ كان هذا يوم فتح مكة – ليست آمنة بنت وهب التي قبرها بالأبواء البعيدة جدًّا عن مكة من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن هذه العبارة في حد ذاتها تثبت أنها ليست والدته آمنة، لأن قوله J: (كانت والدةً) أي أن هذه الأم كانت بمثابة الوالدة؛ لأنها لو كانت والدته آمنة لقال بكلمة مختصرة: (أمي آمنة) أو لقال في: (زيارة قبر والدتي)، ومن ثم لم يكن في حاجة أن يُبَيِّن للصحابة أن لها قِبَله حق أن يستغفر لها؛ لأن الصحابة يعلمون أن الله أمره J وأمرنا أن نستغفر لآبائنا وأمهاتنا وبكلمة أدق (لوالدينا) بقوله تعالى: )وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا( أما أن قوله J: (وكانت والدةً ولها قبلي حق) فدلالته أنها مع كونها أمه، لم تكن والدته التي ولدته إلا أنها كانت بمثابة الوالدة، ومن ثم فلها علىَّ حق الاستغفار لها، وفي هذا تشريع للأمة بأن من تقوم مقام الوالدة في نفع المسلم، وهو في مهده بالإرضاع أو في طفولته بالرعاية، فلها عليه حق الاستغفار كوالدته، وإن كانت أمَّا وليست والدة، كذلك بالنسبة لمن قام مقام والده في تربيته صغيرًا، فله هذا الحق، وإن كان أبًا وليس والدًا.

ومن ثم فهذه الأم التي نُهِىَ النبي J عن الاستغفار لها هي أم للنبي J، وإن كانت ليست والدته آمنة بنت وهب، وإن كانت حين أرضعته والدةً، أي بمثابة والدته، وبخاصة أنها أرضعته بعد آمنة أيامًا قبل حليمة السعدية عقب ولادته.

فآمنة بنت وهب هي الوالدة للنبي J أما غيرها فهي والدة بدون ألف ولام العهد التعريفية.

رابعها: أن هذا المتن تضمن في آخره بعض الأحكام الفقهية المتفق عليها عند الفقهاء، وهي ناسخة لأحكام بالتحريم كان رسول الله J قد حرمها عليهم، وهذا يؤكد صحة هذا المتن من أوله إلى آخره، ويؤكد دقة النقل فيه الذي قام به الرواة رحمهم الله تعالى، وهذه الأحكام هي:-

1- أنه أحَلَّ زيارة القبور بعد أن كان قد حرَّمها.

2- أنه J كان قد حرم أن يَدِّخروا من لحوم الأضاحي، ثم أباح لهم في هذا الحديث أن يَدَّخروا منها، وكان العرب يَدِّخرونها بالتجفيف فتصير قَدِيدًا، وذلك بأن يقطعوها قِطَعًا رقيقه ثم يعرضونها لأشعة الشمس حتى تجف. ومن ثم يمكن الاحتفاظ بها إلى حين من غير أن تفسد.

3- كان قد نهى عن استخدام نوع من الآنية ثم عاد بهذا الحديث فأحل لهم كل الآنية مُبيِّنًا أن ينتبذوا من طعام أو الشراب ما شاءوا في أية آنية بشرط أن لا يتحول الذي انتبذوه، أي تركوه في هذه الآنية من الشراب، بشرط أن لا يتحول إلى مسكر.

كل هذا يدل على أن هذا الأثر صحيح السند سليم المتن، ويكيفينا لبحثنا هذا النص (يوم فتح مكة نحو المقابر) ليثبت لنا أن الأم التي زارها ونُهِىَ عن الاستغفار لها، ليست هي آمنة التي قبرها بالأبواء، ومن ثم سيكون هذا الحديث الشريف عمدة في موضوع هذا الكتاب، إذ هو يخص أُمًّا مدفونة بمقبرة الحجون بمكة المكرمة، وهي بالقطع ليست الوالدة آمنة بنت وهب، وإنما هي أمَّا أخرى له كانت والدةً، أي أنها كانت كأنها والدة له.

فمن هي؟ هذا ما سنعلمه بعد بإذن الله

([i]) المعجم الكبير للطبراني حديث (4648) ك الزاي باب زيد بن الخطاب.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.