الإنسان خليفة الله في الأرض

الإنسان خليفة الله في الأرض

islam wattan . نشرت في المدونة 93 لاتعليقات

إذا صافاك عدوك

قال الإمام علىُّ بن أبى طالب عليه السلام:

– إذا صافاك عدوك رياء منه فتلق ذلك بأوكد مودة، فإنه إن ألف ذلك واعتاده خلصت لك مودته.

 

– لا تألف المسألة فيألف المنع.

الإنسان خليفة الله في الأرض

الإنسان أعظم ما خلق الله، ولذلك كان أبدع ما يعرف الله به، فبقدر ما يعرف الإنسان نفسه يعرف ربه، وبقدر ما يجهل نفسه يجهل ربه، لذلك كان أهم شيء في الإنسان صفاته الأساسية التي لا يمكن تعليليها إلا بأنها قبس من أمر الله، ثم أخلاق الإنسان والصفات الأساسية للإنسان العلم والمعرفة والإرادة والقدرة، كما أن استعداد الإنسان للعمل ظاهرة من أعظم ظواهر الوجود وعنده استعداد ليعرف كل شيء، ويحلل ويركب ويخترع ويقيس ويعلل ويقبل ويرفض ويتصور ويستطيع أن يفكر تفكيرًا علميًّا حتى وإن كان خياليًّا على ضوء ما هو معلوم ويرسم للحياة طريقًا ويبني حضارة.

 إن علم الإنسان وبيانه يدلان مباشرة على الله: )الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ( (الرحمن: 1 – 4)، )اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( (العلق: 3 – 5).

والإنسان عنده طاقة إرادة يرجح بها بين المتقابلين ويختار بين الضدين، كلامه بإرادة وحركته بإرادة وعمله بإرادة، وهو وحده المالك لحرية الاختيار بشكل لا مثيل له بين كل الكائنات، يختار الصدق ويصدق، ويختار العمل ويعمل ويختار الإعمار فيعمر، طاقة هائلة من الإرادة، ومعها طاقة هائلة من القدرة والخيال، يستطيع أن يستنبت الأرض، وأن يحصد الزرع وأن يركب متن الريح والماء، وأن يأكل لحم الطير والسمك، وأن يستخرج من كل شيء ما ينفعه وينفع أمثاله من البشر، وأن يترك من كل شيء ما يضره وما يضر غيره.

والإنسان بحسب ما ورد في القرآن الكريم هو محور هذا الكون الفسيح وعلى قمة مخلوقاته وموضع التكريم والعناية الإلهية فيه وخلقه الله في أحسن تقويم وجعله في أكمل صورة يقول تعالى: )لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( (التين: 4)، ويقول تعالى: )اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ( (غافر: 64).

والإنسان في هذه الدنيا صاحب رسالة، فقد استخلفه الله على الأرض ليعمرها ويستخرج خيراتها، وأراد الله لهذا الإنسان أن تعاني نفسه من الصراع بين دواع الخير والشر فيما هو مستخلف فيه، وهو صراع تكتمل من خلاله شخصيته وترتقي من الناحيتين الروحية والمادية، والقانون الذي يحكم هذا كله هو الجزاء على قدر العمل، واستخدام العلم من أقوى الوسائل إلى تحقيق رسالة الإنسان على الأرض، والتطور الهائل في إمكانيات الإنسان يدلنا على أن الله قد أوجد فيه من الاستعدادات ما لم يوجد في مخلوق آخر، وما زال مستقبل الإنسان يحمل من الإمكانيات في تسخير الطبيعة ما لم نعلم وما قد لا يتصور، ومن ذا الذي كان فيما مضى يتصور وصول الإنسان إلى الفضاء الكوني وينزل إلى سطح القمر، والإنسان قادر على تعقل ما حوله وإعطائه معنى وهدفًا.

الإنسان في الإسلام مسئول مسئولية دينية وأخلاقية عن إقامة العدل الذي هو أساس العمران في هذه الدنيا، وهذا يعني ضرورة التغلب على نوازع الإيمانية وتغليب جانب العقل، وهذا بدوره يعني بقاء الأمل في تحقيق العدل حيًّا في النفوس، وهذا الأمل يشكل دافعًا قويًّا على التصميم على السعي نحو تحقيق العدل، الأمر الذي يمكن أن يؤدي في نهاية الأمر إلى أن يصبح العدل في حياتنا حقيقة واقعة، وأن يوجه سلوكنا ويحدد تصرفاتنا، ومن هنا يعد الكفاح من أجل إقامة العدل كفاحًا ضد كل شكل من أشكال الظلم والأنانية، وفي الوقت نفسه يعد الكفاح من أجل سيادة العقل، وبالتالي يعد عملية أخلاقية، إن الحياة بدون العدل وبدون الأمل في تحقيقه تعد جحيمًا لا يطاق، ومن هنا يمكن أن نطلق على المكان الذي لم يعد فيه وجود للعدل اسم الجحيم الدنيوي، أي ذلك الكهف المظلم الذي لم يشرق فيه نور العقل الإنساني، وفي المقابل يمكن أن يطلق اسم الفردوس الدنيوي على المكان الذي يتحقق ويسود فيه العدل والإنصاف، وطبقًا لتعاليم القرآن الكريم يتجلى العدل في الرحمة الإلهية التي تعم العالم كله بما فيه ومن فيه، كما جاء في القرآن: )وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ( (الأعراف: 156)، تلك الرحمة التي لا تفرق بين الناس الذين هم جميعًا خلق الله، ويحكم بينهم بالعدل ويشملهم برحمته، وكل إنسان مطالب بالسعي إلى إقامة العدل والأمل في تحقيقه من منطلق الرحمة الإلهية: )قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ( (الزمر: 53، 54).

الإنسان هو الموجود البشري الوحيد بين الموجودات الذي يمكن اعتباره فاعلاً عاقلاً حرًّا، فالأفعال الإنسانية إنما هي تلك الأفعال العقلية الإرادية التي يرمي الإنسان من ورائها إلى تحقيق غاية أخلاقية، أو أداء واجب أو بلوغ قيمة إيجابية، ومعنى هذا أن القوة المحركة الأولى للحياة الإنسانية، إنما هي ذلك التوتر الذي يستشعره الإنسان في باطنه بين ما يملكه وما يريد تحصيله، وبين ما حققه وما يرجو تحقيقه، وهذا التوتر هو الذي يجعل من الإنسان موجودًا أخلاقيًّا بمعنى الكلمة؛ لأن هذا الذي يجعل الإنسان يراقب أهواءه وشتى ميوله، وهو الذي يدفعه إلى مجاهدة النفس والغرائز والانفعالات والدوافع.

فالعالم الإنساني هو عالم الأخلاق؛ لأن الإنسان هو الحيوان الناطق الذي يعرف القيمة والغاية والخير والواجب والحرية والمسئولية والجزاء إلى آخر تلك المفاهيم الأخلاقية التي تتردد لدى سائر شعوب الأرض في كل زمان ومكان، وليست الأخلاق سوى تلك الدراسة المعيارية التي تبحث فيها ما يصدر عن الإنسان من أفعال عقلية إرادية لكي نحكم عليها في ضوء المثل العليا أو ما ينبغي أن يكون.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.